تجدّد الجدل في تونس حول مستقبل العمل الجمعياتي بعد تداول نسخة محيّنة من مشروع قانون أساسي جديد لتنظيم الجمعيات، وذلك بعد سنوات من طرح مشروع مماثل لم ير النور في صيغته السابقة. ويحمل النص المقترح جملة من التعديلات والأحكام الجديدة التي تعيد رسم الإطار القانوني المنظم للجمعيات، خاصة في ما يتعلق بالتمويل الأجنبي وآليات الرقابة والشفافية وشروط التأسيس والتسيير، مع التنصيص على إلغاء المرسوم عدد 88 لسنة 2011 الذي ينظم القطاع منذ ما بعد الثورة.
ويأتي المشروع في سياق نقاشات متواصلة بشأن حوكمة القطاع الجمعياتي ومصادر تمويله ودوره في الحياة العامة، حيث يقترح إجراءات جديدة تمنح السلطات صلاحيات أوسع في المتابعة والرقابة، مقابل الإبقاء على مبدأ حرية تكوين الجمعيات والانخراط فيها وممارسة أنشطتها في إطار القانون.
وبعد الاستماع الى مختلف الجهات المعنية على غرار محكمة المحاسبات ووزارات العدل والداخلية والخارجية ينتظر ان يتم الاستماع الى ممثلي عدد من الجمعيات الكبرى في تونس على ان يتم عرض المشروع على اللجنة العامة يوم 24 جوان قبل عرضه على الجلسة العامة . وقد علمنا ان بعض التنقيحات منتظرة على هذه المشروع استجابة لملاحظات القطاع البنكي .مع العلم ان هذا المشروع تقوده وتشرف عليه النائب فاطمة المسدي .
وينص المشروع على ضمان حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها وممارسة أنشطتها والانسحاب منها، مع إخضاع مختلف مراحل التأسيس والتسيير والتمويل والرقابة والحل إلى أحكام قانونية مفصلة تهدف، وفق نص المشروع، إلى تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة على القطاع الجمعياتي.
شروط جديدة للتأسيس والتسيير
ويقترح النص أن يتم تأسيس الجمعية من قبل ثلاثة أشخاص راشدين على الأقل، مع منحها الشخصية القانونية بعد شهر من تاريخ التصريح بالوجود أو بعد الحصول على الترخيص بالنسبة إلى الجمعيات الأجنبية.
كما يفرض المشروع جملة من البيانات الإلزامية ضمن النظام الأساسي للجمعية، من بينها تحديد الأهداف والهيكل التنظيمي وطرق اتخاذ القرار وآليات فض النزاعات وشروط العضوية.
ويتيح القانون لكل تونسي أو أجنبي مقيم في تونس حق تأسيس جمعية أو الانخراط فيها، مع اشتراط أن يكون رئيس الجمعية أو نائبه الممثل القانوني لها.
منصة رقمية للشفافية
ومن أبرز المستجدات الواردة في المشروع إحداث منصة رقمية مفتوحة للعموم تشرف عليها الإدارة العامة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة، تتضمن الأنظمة الأساسية للجمعيات وقوائم مسيريها وبرامجها السنوية وتقاريرها الأدبية والمالية ومصادر تمويلها، مع تحيين هذه المعطيات بصورة مستمرة.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الشفافية وإتاحة النفاذ إلى المعلومات المتعلقة بالجمعيات والمنظمات الوطنية والأجنبية الناشطة في تونس.
تحجير التمويل السياسي ومنع تضارب المصالح
ويتضمن المشروع قائمة واسعة من المحظورات، أبرزها منع الجمعيات من:
- تمويل الأحزاب السياسية أو دعمها.
- المشاركة في الحملات الانتخابية أو تقديم مترشحين باسمها.
- الدعوة إلى العنف أو الكراهية أو التمييز.
- ممارسة أنشطة تجارية خارج أهدافها الاجتماعية.
- الانخراط في عمليات غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو التهرب الضريبي.
كما يمنع الجمع بين المسؤوليات القيادية داخل الأحزاب السياسية والهياكل المسيرة للجمعيات.
وفي باب الحوكمة، يقرّ المشروع أحكاماً خاصة بتضارب المصالح، حيث يمنع أعضاء أو أجراء الجمعية من المشاركة في اتخاذ قرارات تحقق لهم أو لأقاربهم منافع مباشرة أو غير مباشرة تتعارض مع مصلحة الجمعية.
قيود على التمويل الأجنبي
ويعد ملف التمويل الأجنبي من أبرز النقاط التي تناولها المشروع، إذ ينص على منع الجمعيات الوطنية من تلقي أي تمويل أو هبات أجنبية إلا بعد الحصول على موافقة كتابية مسبقة من الكاتب العام للحكومة.
ويتعين على الجمعية تقديم مطلب يتضمن مصدر التمويل وقيمته وموضوعه والغرض منه، على أن تتلقى الرد في أجل أقصاه شهران، مع اعتبار عدم الرد موافقة ضمنية.
كما يلزم المشروع البنوك والبريد التونسي والمؤسسات المالية بإبلاغ البنك المركزي والسلطات المختصة بشكل دوري بجميع التمويلات الأجنبية الواردة إلى حسابات الجمعيات.
ويحجر كذلك قبول مساعدات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية أو عن منظمات تعتبرها السلطات معادية للدولة التونسية.
رقابة مالية موسعة
ويفرض المشروع على الجمعيات مسك محاسبة وفق النظام المحاسبي للمؤسسات، والاحتفاظ بالسجلات والوثائق المالية لمدة عشر سنوات.
كما يوجب على الجمعيات التي تتجاوز مواردها السنوية 100 ألف دينار تعيين مراقب حسابات مستقل لمدة ثلاث سنوات، مع إلزامها بنشر قوائمها المالية وتقارير مراقبة الحسابات للعموم.
وتلتزم الجمعيات المستفيدة من المال العمومي بإرسال تقرير سنوي مفصل إلى دائرة المحاسبات حول مصادر التمويل وأوجه الصرف.
تنظيم وضعية الجمعيات الأجنبية
ويقترح النص إخضاع الجمعيات الأجنبية لنظام ترخيص مسبق، بحيث لا يمكنها مباشرة أي نشاط في تونس إلا بعد التأشير على قانونها الأساسي من قبل الكاتب العام للحكومة والحصول على آراء الجهات المختصة، بما في ذلك وزارتا الخارجية والداخلية.
كما يجيز المشروع منح التراخيص بصفة مؤقتة أو دورية وسحبها عند الاقتضاء، مع اعتبار الجمعيات الأجنبية غير المرخص لها لاغية قانوناً.
عقوبات تصل إلى السجن
ويتضمن المشروع سلماً تصاعدياً للعقوبات يبدأ بالتنبيه ثم تعليق النشاط بقرار قضائي وصولاً إلى الحل النهائي للجمعية.
كما ينص على عقوبات جزائية بالسجن تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات وخطايا مالية تتراوح بين 5 آلاف و50 ألف دينار ضد المسؤولين عن الجمعيات الأجنبية التي تنشط دون ترخيص أو ضد القائمين على جمعيات صدر في شأنها قرار نهائي بالحل وواصلت نشاطها.
إلغاء مرسوم 88
وينص الفصل 42 من المشروع صراحة على إلغاء المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات، مع منح الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الموجودة قانونياً عند دخول القانون الجديد حيز التنفيذ مهلة سنة واحدة لتسوية أوضاعها والامتثال للأحكام الجديدة.
ويرى متابعون أن هذا المشروع يمثل أحد أهم التغييرات التشريعية المقترحة في القطاع الجمعياتي منذ سنة 2011، خاصة في ما يتعلق بالتمويل الأجنبي وآليات الرقابة والحوكمة، وهي نقاط ظلت محل جدل سياسي وقانوني واسع خلال السنوات الأخيرة.





