الرئيسية آخر الأخبار كاتبة إيطالية: تونس تقدّم لأوروبا درسًا في حماية الذاكرة اليهودية والمسيحية

كاتبة إيطالية: تونس تقدّم لأوروبا درسًا في حماية الذاكرة اليهودية والمسيحية

0
1
blank

رأت الصحفية الإيطالية فانيسا توماسيني، مراسلة موقع «سترومنتي بوليتيتشي» في تونس، أن الجهود التي تبذلها الدولة التونسية لحصر وحماية وتثمين التراث الديني المسيحي واليهودي تمثل نموذجًا مختلفًا في التعامل مع التعددية والذاكرة الوطنية، معتبرة أن تونس قد تقدّم، من هذه الزاوية، «درسًا غير متوقع» لأوروبا.

وفي مقال خصصته للموضوع، توقفت توماسيني عند البرنامج الذي أطلقته وزارة الشؤون الثقافية من أجل جرد مواقع العبادة غير الإسلامية، وتحديد وضعيتها القانونية، وتقييم حالتها، تمهيدًا لحمايتها وإعادة تثمينها باعتبارها جزءًا من الذاكرة التاريخية المتعددة للبلاد.

وترى الكاتبة أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في ترميم مبان قديمة أو حماية مواقع دينية، بل في الرسالة الأوسع التي تحملها، وهي أن تاريخ الأقليات الدينية لا ينبغي أن يبقى تاريخًا منفصلًا عن تاريخ الأغلبية، بل جزءًا من الرواية الوطنية الجامعة.

وتكتب الصحفية الإيطالية أن تونس ليست في حاجة إلى اختراع تاريخ للتعايش، إذ إن تاريخها نفسه يقوم على تراكم حضارات وثقافات متعددة، من الفينيقيين والرومان والمسيحيين واليهود والعرب والعثمانيين إلى الأوروبيين، وهي طبقات تاريخية ما تزال آثارها حاضرة في المدن والأحياء والمباني وأماكن العبادة.

وبحسب المقال، تعمل السلطات التونسية على إعداد جرد شامل للكنائس والمعابد اليهودية وغيرها من أماكن العبادة المسيحية واليهودية، بما يسمح بتحيين المعطيات العقارية وتوضيح الوضع القانوني للعقارات والمباني التابعة للقطاع العمومي، فضلا عن معالجة الإشكالات العقارية والإدارية التي قد تعطل مشاريع صيانتها أو تثمينها.

كما يتضمن هذا التوجه تقييم الحالة الإنشائية للمباني التاريخية التي أصاب بعضها التدهور بفعل الزمن، تمهيدًا لأعمال الصيانة أو التهيئة أو الترميم، مع اعتماد المعايير الفنية الدولية الخاصة بالمحافظة على المعالم واحترام خصوصيتها المعمارية وتاريخها.

وتوقفت توماسيني عند مشروع إعادة تهيئة الكنيسة القديمة بمدينة صفاقس، معتبرة أن مثل هذه المشاريع تتجاوز بعدها الإداري أو الفني. فحين تقرر الدولة حماية مبنى ديني قديم وإعادته إلى الحياة الثقافية، فإنها، وفق الكاتبة، لا تحافظ على حجارة فقط، بل تتخذ موقفًا من الذاكرة ومن المكان الذي تحتله مختلف مكونات التاريخ في الحاضر.

من التسامح إلى اعتبار الذاكرة تراثًا وطنيًا

وتطرح الكاتبة فكرة تعتبرها جوهرية في التجربة التونسية، وهي الانتقال من مفهوم «التسامح» إلى مفهوم اعتبار التعدد الديني جزءًا من التراث الوطني.

فالتسامح، وفق قراءتها، يعني السماح للآخر بالوجود، بينما يعني اعتبار تاريخه جزءًا من التراث الوطني الاعتراف بأن هذا التاريخ يشكل بدوره جزءًا من تاريخ البلاد نفسها.

وبهذا المعنى، فإن ترميم كنيس يهودي لا يعني فقط الحفاظ على مكان عبادة خاص بالجالية اليهودية، بل حماية صفحة من تاريخ تونس. كما أن المحافظة على كنيسة تاريخية لا تقتصر على البعد الديني، وإنما تمثل اعترافًا بأن الحضور المسيحي بدوره أحد مكونات الذاكرة التاريخية للبلاد.

وتشير توماسيني إلى أن الصورة النمطية التي تختزل تونس في المساجد والأسواق والتراث العربي الإسلامي وحده لا تعكس كامل تاريخها، فهي أيضا أرض كنيس الغريبة بجربة، وأماكن العبادة المسيحية القديمة، والمقابر اليهودية والمسيحية، فضلا عن المعالم والعمارة الإيطالية والفرنسية المنتشرة في تونس العاصمة وعدد من المدن الساحلية.

وتشدد الكاتبة على أن الوجود اليهودي في تونس سابق بكثير للحماية الفرنسية، وأن تاريخ الجالية اليهودية، خصوصًا في جربة وتونس ومناطق أخرى، يمثل فصلًا مهمًا من تاريخ البحر الأبيض المتوسط.

أما الحضور المسيحي، فلا يمكن اختزاله بدوره في المرحلة الاستعمارية، إذ تمتد جذوره في شمال أفريقيا إلى عصور قديمة، وترتبط بتاريخ قرطاج والمسيحية الأفريقية وشخصيات تاريخية كبرى مثل القديس أوغسطين.

قرطاج… حيث تتراكم الحضارات

واختارت الكاتبة قرطاج باعتبارها النموذج الأوضح لفكرة «تراكم الطبقات التاريخية». ففي هضبة بيرصا تتجاور آثار قرطاج البونية والرومانية مع معالم مرتبطة بالتاريخ المسيحي والحضور الأوروبي، في مشهد يلخص تاريخًا طويلًا لم تستطع فيه حضارة واحدة أن تمحو بالكامل ما سبقها.

وتحتل الكاتدرائية السابقة للقديس لويس موقعًا مهمًا في هذه القراءة، إذ تحولت، بعد انتقالها إلى الدولة التونسية في إطار الترتيبات التي أعقبت اتفاقات تونس والفاتيكان، إلى فضاء ثقافي ضمن موقع أكروبول قرطاج.

وترى توماسيني في هذا التحول صورة رمزية لتاريخ تونس نفسه، حيث تتداخل قرطاج البونية وروما والمسيحية الأفريقية والحضور الأوروبي وتونس المستقلة داخل فضاء تاريخي واحد.

كما ربطت الكاتبة بين مشاريع تثمين أكروبول بيرصا والمتحف الوطني بقرطاج وبين رؤية أوسع تهدف إلى الجمع بين التراث الأثري والمعماري والثقافي والسياحي، معتبرة أن إدماج هذه المواقع في المسارات الثقافية وإعادة إحيائها يؤكد أنها جزء من الذاكرة الجماعية التي ينبغي أن تبقى متاحة للعموم.

الحضور الإيطالي… تاريخ يتجاوز الاستعمار

ولم تغفل الصحفية الإيطالية التوقف عند الحضور الإيطالي في تونس، مشيرة إلى أن آلاف الإيطاليين، وخاصة من صقلية، عبروا المتوسط واستقروا في تونس خلال القرن التاسع عشر، قبل فترة الحماية الفرنسية.

وأصبحت مناطق مثل حلق الوادي وتونس ورادس، وفق المقال، فضاءات لمجتمع متوسطي اختلطت فيه اللغات والمهن والعادات والمطابخ والمعتقدات.

وتحذر الكاتبة من اختزال هذا التاريخ في عبارة «الفترة الاستعمارية»، معتبرة أن الواقع أكثر تعقيدًا، لأن الحضور الإيطالي سبق الحماية الفرنسية وأسهم في تشكيل مجتمع حضري متوسطي تداخلت داخله الهويات دون أن تذوب بالضرورة.

ومن هنا، ترى أن تونس ليست مطالبة بالاختيار بين ذاكرة عربية وذاكرة أوروبية، أو بين تاريخ مسلم وتاريخ يهودي أو مسيحي، لأن هذه المكونات جميعًا شاركت، بدرجات مختلفة، في تشكيل تونس المعاصرة.

هل تقدّم تونس درسًا لأوروبا؟

وتخلص توماسيني إلى أن ما يحدث في تونس لا ينبغي تقديمه باعتباره «قصة مثالية» عن التعايش، فحماية التراث، كما تقول، لا تلغي التوترات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما أن ترميم كنيسة أو كنيس لا يكفي وحده لإقامة مجتمع تعددي.

لكنها تعتبر أن السياسة الثقافية ليست مجرد عنصر تجميلي، لأن الدولة حين تقرر أي المباني تحمي، وأي الذكريات تحفظ، وأي المعالم تعيد إلى الجمهور، فإنها تحدد بصورة غير مباشرة من يستحق أن يكون حاضرًا في الذاكرة الوطنية.

ومن هذه الزاوية، ترى الصحفية الإيطالية أن التجربة التونسية قد تطرح سؤالًا مهمًا على أوروبا، التي أصبحت فيها قضايا الهوية والتعدد الديني والثقافي مرتبطة في كثير من الأحيان بالهجرة والاندماج والحدود الثقافية.

وتقول إن التعددية لا ينبغي أن تعامل بالضرورة باعتبارها قضية أمنية أو مشكلة يجب احتواؤها، بل يمكن النظر إليها باعتبارها ملكًا عامًا وذاكرة مشتركة.

وتختم الكاتبة قراءتها من هضبة بيرصا بقرطاج، حيث تبدو الحضارات المتعاقبة وكأنها لم تختف، بل تركت طبقات فوق بعضها البعض.

فهوية تونس، في هذه القراءة، لا تصبح أضعف حين تعترف بمختلف الطبقات التي صنعت تاريخها، بل تصبح أكثر قوة عندما تدرك أن اختلاف المكونات التي مرت بها ليس جزءًا ينبغي محوه، وإنما إرث ينبغي حمايته وتقاسمه.