قدّر الخبير الاقتصادي محمد الغول الشريك المؤسس ورئيس تطوير الأعمال والتسويق أن الشخص الأعزب الناشط في إحدى المدن التونسية الكبرى يحتاج إلى نحو 2150 ديناراً شهرياً حتى يتمكن من العيش بصورة مستقلة، وفق تقدير مبني على أسعار السوق المسجلة خلال شهر جويلية 2026.
وأوضح الغول أن هذا المبلغ لا يتعلق بنمط عيش فاخر، وإنما بتغطية الحاجيات الأساسية، من السكن والغذاء والتنقل والكهرباء والماء والملابس، وصولاً إلى الهاتف والمصاريف البنكية والعناية الشخصية وبعض الأنشطة الترفيهية البسيطة.
وأكد أن تقدير الـ2150 ديناراً ليس إحصائية رسمية، وإنما عملية احتساب استناداً إلى الأسعار الملاحظة في عدد من المدن الكبرى خلال جويلية 2026، ويمكن تعديلها وفق وضعية كل شخص ومكان إقامته ونمط استهلاكه.
السكن والغذاء يلتهمان الجزء الأكبر من الميزانية
وبحسب الغول، يتراوح إيجار الاستوديو في الأحياء السكنية العادية في تونس الكبرى بين 300 و600 دينار شهرياً، فيما يمكن أن يتجاوز 900 دينار في المناطق الأكثر طلباً.
أما المصاريف الغذائية اليومية، باستثناء المنتجات المدعمة، فتتراوح بين 320 و550 ديناراً شهرياً.
وتتراوح كلفة النقل بين 70 و320 ديناراً، حسب وسيلة النقل المستخدمة، من الحافلات إلى استعمال سيارة مملوكة مسبقاً، بما يشمل الوقود والصيانة والتأمين على المسؤولية المدنية والأداءات، مع اعتماد السعر الرسمي للبنزين في حدود 2.53 دينار للتر الواحد.
أما بالنسبة إلى السيارات الجديدة بنظام التأجير المالي، فإن القسط الشهري وحده يمكن أن يضيف بين 650 و700 دينار إلى الميزانية، وهو ما يجعله خارج نطاق ميزانية العيش الأساسية التي اقترحها الغول.
وتتراوح مصاريف الكهرباء والماء بين 55 و130 ديناراً بحسب الموسم، لكنها قد تصل إلى حدود 300 دينار في ذروة الصيف عند الاعتماد المكثف على مكيفات الهواء.
ويضاف إلى ذلك ما بين 300 و400 دينار للملابس والعناية الشخصية والاتصالات والمصاريف البنكية والحد الأدنى من الترفيه.
وبجمع مختلف هذه المصاريف، يصل الغول إلى تقدير يقارب 2150 ديناراً شهرياً لشخص واحد يعيش بشكل مستقل.
راتب بـ950 ديناراً أمام حاجيات بـ2150 ديناراً
في المقابل، يقدّر الغول متوسط الأجر الصافي في تونس بما بين 924 و950 ديناراً شهرياً، في حين يبلغ الأجر الأدنى المضمون «SMIG» لنظام العمل بـ48 ساعة حوالي 505 دنانير صافية بعد الخصم من الأجر.
وبذلك، فإن الفارق بين متوسط الأجر الصافي وكلفة الحياة الأساسية لشخص واحد يتجاوز 1200 دينار شهرياً.
أما بالنسبة إلى العامل الذي يتقاضى الأجر الأدنى، فإن الفجوة تصبح أكبر بكثير.
ويختصر الغول هذه المعادلة بالقول إن «الكلفة الحقيقية للعيش في تونس لا تقاس بالدينار، وإنما بالمسافة بين الراتب والقدرة على عيش حياة مستقلة».
أسرة من ثلاثة أفراد تحتاج إلى أكثر من 5000 دينار
وتزداد الفجوة بشكل أكبر عند الانتقال من الفرد إلى الأسرة.
فبالنسبة إلى زوجين لهما طفل يدرس في التعليم العمومي، يقدّر الغول الميزانية الشهرية الواقعية بنحو 5200 دينار، مع احتساب كلفة المسكن الأكبر، واستهلاك الكهرباء، والغذاء لثلاثة أفراد، والمصاريف اليومية للطفل، إلى جانب مستلزمات العودة المدرسية.
وفي السيناريو الأكثر تقشفاً، لا تنخفض هذه الميزانية، وفق التقدير نفسه، عن 2200 دينار شهرياً.
أما في حالة الدراسة في مؤسسة تعليمية خاصة، فإن الكلفة ترتفع بشكل ملحوظ، إذ يمكن أن تضيف المدرسة الابتدائية بين 250 و666 ديناراً شهرياً، فضلاً عن مصاريف المطعم المدرسي والحضانة التي تتراوح بين 83 و250 ديناراً، ما يجعل الميزانية العائلية تتجاوز 5500 دينار شهرياً.
كلفة المعيشة والهجرة وتكوين الأسرة
ولا يرى الغول أن الفارق بين الأجور وكلفة الحياة مجرد مسألة حسابية، بل يعتبر أنه يؤثر مباشرة في خيارات الشباب ومستقبلهم.
ويشير إلى معطيات للمعهد الوطني للإحصاء تفيد بأن 39.5% من التونسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يفكرون في الهجرة، بينما تقترب النسبة من 30% لدى حاملي الشهادات العليا.
كما يستحضر الغول تقديرات رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي، الذي أشار إلى أن كلفة الزواج في تونس تتجاوز حالياً 50 ألف دينار، باحتساب الخاتم والحلي والتجهيز والأثاث والأجهزة الكهرومنزلية وكراء قاعة الأفراح، دون احتساب بعض المصاريف الأخرى مثل فستان الزفاف وشهر العسل.
كما تقدر كلفة السنة الأولى للطفل، بحسب الوضعيات، بين 4300 و12,800 دينار.
تونس في مقارنة مع الحد الأدنى للأجور في المنطقة
وفي مقارنة إقليمية، يقدّر الغول الحد الأدنى القانوني للأجور في تونس بنحو 189 دولاراً شهرياً، مقابل حوالي 350 دولاراً في المغرب و409 دولارات في الأردن، في حين يتراوح في مصر بين 150 و170 دولاراً.
ويؤكد أن اختلاف مستويات الأسعار بين هذه الدول يجعل المقارنة المباشرة في القدرة الشرائية غير كافية، لكنها تعطي مؤشراً على الفوارق في مستويات الأجور الدنيا داخل المنطقة.
خمس مقترحات لتقليص الفجوة
ويقترح الغول جملة من الإجراءات، أبرزها تطوير عرض سكني متوسط الكلفة وموجه فعلياً إلى الشباب العامل، معتبراً أن هذا الصنف من السكن ما يزال محدوداً في العرضين العمومي والخاص.
كما يدعو إلى اعتماد آلية ربط آلي لتطور الأجر الأدنى المضمون بمستوى التضخم الفعلي الذي يقيسه المعهد الوطني للإحصاء، بدلاً من الاقتصار على روزنامة زيادات محددة مسبقاً.
ويقترح أيضاً إعادة فتح المفاوضات القطاعية بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية لرفع الأجور الدنيا في القطاعات التي بقيت مستوياتها متأخرة، وخاصة قطاع النسيج.
ومن بين المقترحات كذلك تسريع العمل على تحديد سقف للمصاريف الإضافية في التعليم الخاص، بما في ذلك المطعم المدرسي والحراسة، إلى جانب توفير حلول أقل كلفة لرعاية الأطفال.
كما يدعو إلى تعزيز التعريف بنظام المبادر الذاتي وتطويره، بهدف إدماج مزيد من العاملين خارج منظومتي الضمان الاجتماعي، معتبراً أن توسيع قاعدة العمل المصرح به يمثل أحد مداخل تحسين الحماية الاجتماعية.
ويخلص الغول إلى أن النقاش حول الأجور في تونس لا ينبغي أن يقتصر على قيمة الراتب، بل يجب أن ينظر إلى قدرة العمل نفسه على توفير حياة مستقلة وكريمة، وهي فجوة يرى أنها أصبحت تنعكس أيضاً في تنامي رغبة عدد من الشباب في مغادرة البلاد.



