يضع الخبير الدولي العربي بن بوهالي ملف التضخم في تونس تحت المجهر، معتبرًا أن البلاد تواجه مفارقة اقتصادية صعبة: حكومة تسعى إلى كبح ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت نفسه تعتمد سياسات مالية ونقدية يرى أنها تساهم في استمرار الضغوط التضخمية.
وبحسب بن بوهالي، فإن الحديث عن تراجع معدل التضخم إلى 5.1% خلال شهر يوليو/تموز لا يعني بالضرورة أن معاناة التونسيين مع ارتفاع كلفة المعيشة قد انتهت، لأن المعدل السنوي يقيس سرعة ارتفاع الأسعار، ولا يقيس المستوى الذي وصلت إليه الأسعار بعد سنوات من الزيادات المتراكمة.
ويقول الخبير إن «لكل أسرة تونسية معدل تضخم خاصًا بها»، لأن تأثير ارتفاع الأسعار يختلف بحسب طبيعة إنفاق الأسر. فالعائلة محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من مواردها على الغذاء والصحة والنقل، وبالتالي تشعر بارتفاع الأسعار بصورة أكبر من الأسر ذات الدخل المرتفع.
5.1%.. رقم لا يحكي القصة كاملة
يرى بن بوهالي أن المقارنة بين التضخم وزيادة الأجور تكشف جانبًا من المشكلة.
فإذا ارتفعت الأجور بنسبة محدودة بينما ارتفعت أسعار السلع والخدمات بالمعدل نفسه أو بمعدل أعلى، فإن الزيادة الاسمية في الأجر لا تعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية.
ويعتبر الخبير أن التركيز على نسبة التضخم وحدها قد يكون مضللًا، لأن المواطن لا يشتري «نسبة تضخم»، وإنما يشتري الخبز والدواء والتعليم ويدفع الإيجار والنقل وفواتير الخدمات.
وبالتالي، فإن انخفاض التضخم من مستويات أعلى إلى 5.1% يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكنه لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
لماذا لا تنجح الفائدة المرتفعة في القضاء على التضخم؟
منذ سنوات، أبقى البنك المركزي التونسي على سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة نسبيًا، في محاولة للحد من السيولة والطلب والحفاظ على استقرار الدينار.
لكن بن بوهالي يطرح سؤالًا أساسيًا: ماذا يحدث عندما لا يكون الجزء الأكبر من التضخم ناتجًا عن زيادة الطلب الاستهلاكي؟
فارتفاع أسعار الطاقة، والغذاء، والخدمات، والأدوية، وتكاليف النقل والإنتاج، يمكن أن يؤدي إلى تضخم ناتج عن ارتفاع الكلفة وليس فقط عن ارتفاع الطلب.
وفي هذه الحالة، فإن رفع الفائدة يمكن أن يضغط على الاستثمار والاقتراض والاستهلاك، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج المزيد من الأدوية أو خفض كلفة الطاقة أو زيادة الإنتاج الزراعي.
وهنا تظهر المفارقة: يمكن للسياسة النقدية أن تضغط على الاقتصاد من أجل خفض التضخم، في الوقت الذي تبقى فيه أسباب ارتفاع الأسعار خارج نطاق أدوات البنك المركزي المباشرة.
البنوك بين تمويل الدولة وتمويل الاقتصاد
ينتقد بن بوهالي كذلك ما يعتبره تراجعًا في قدرة الجهاز المصرفي على تمويل القطاع الخاص.
فحين تتجه نسبة كبيرة من الموارد المالية نحو تمويل حاجات الدولة، تصبح الموارد المتاحة للمؤسسات والاستثمار أقل، وهو ما يمكن أن ينعكس على النمو وخلق فرص العمل.
وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى التمويل لتغطية العجز وتمويل الأجور والدعم وخدمة الدين.
وتصبح النتيجة، وفق هذا الطرح، حلقة يصعب كسرها:
عجز في الميزانية → حاجة متزايدة إلى التمويل → ضغط على الموارد المالية → ضعف الاستثمار → نمو أبطأ → ضغوط اجتماعية أكبر.
الأدوية.. الحلقة الأكثر حساسية
من أكثر النقاط إثارة للقلق التي يطرحها الخبير الحديث عن ارتفاع كبير في أسعار بعض الأدوية.
ويحذر بن بوهالي من أن ارتفاع تكلفة العلاج لا يشبه ارتفاع سعر سلعة كمالية، لأن الأسرة لا تستطيع ببساطة تأجيل شراء الدواء كما يمكنها تأجيل شراء بعض السلع الأخرى.
ولهذا فإن ارتفاع أسعار الأدوية يضغط بصورة خاصة على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، خصوصًا عندما يتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء والتعليم والنقل والخدمات.
وهنا تصبح معركة التضخم، في نظره، قضية اجتماعية وصحية بقدر ما هي قضية مالية ونقدية.
تضخم الخدمات.. الخطر الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي
يشير بن بوهالي كذلك إلى ارتفاع أسعار عدد من الخدمات، مستندًا إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ومن بينها الإيجارات وصيانة المسكن والتعليم وخدمات المطاعم وبعض الخدمات الشخصية.
وتكمن خطورة تضخم الخدمات في أنه أكثر صعوبة في التراجع مقارنة ببعض أسعار السلع، لأن جزءًا كبيرًا منه يرتبط بالأجور والإيجارات والطاقة وتكاليف التشغيل.
فحتى إذا استقرت أسعار بعض المواد الغذائية، يمكن أن تستمر كلفة الحياة في الارتفاع بفعل الخدمات.
هل تونس أمام «ركود تضخمي»؟
يذهب بن بوهالي إلى طرح احتمال أكثر خطورة، وهو دخول الاقتصاد التونسي في بيئة تقترب من الركود التضخمي: ارتفاع الأسعار في الوقت الذي يبقى فيه النمو ضعيفًا والاستثمار محدودًا والبطالة مرتفعة.
والركود التضخمي من أصعب الحالات الاقتصادية، لأن الأدوات المستخدمة لمكافحة التضخم قد تؤدي إلى مزيد من إبطاء النشاط الاقتصادي.
رفع أسعار الفائدة، مثلًا، يمكن أن يساعد على الحد من الطلب، لكنه في الوقت نفسه يجعل الاقتراض أكثر تكلفة بالنسبة إلى المؤسسات والمستثمرين.
وبالتالي، فإن صانع القرار يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يخفض التضخم من دون خنق النمو؟
«التضخم النقدي».. أين تبدأ المشكلة؟
يستند بن بوهالي إلى المدرسة الاقتصادية التي ترى أن التضخم يرتبط على المدى الطويل بزيادة كمية النقود بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد الحقيقي.
لكن تطبيق هذه النظرية على تونس يحتاج إلى قدر من الحذر، لأن ارتفاع الأسعار يمكن أن ينتج أيضًا عن صدمات العرض، مثل ارتفاع الطاقة والمواد الأولية وتكاليف النقل ونقص بعض المنتجات، إضافة إلى عوامل مرتبطة بسعر الصرف والضرائب والدعم.
لذلك فإن اختزال التضخم التونسي في «طباعة النقود» وحدها لا يقدم صورة كاملة عن المشكلة.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الخبير يبقى مهمًا: إلى أي حد يمكن تمويل العجز أو توجيه السيولة نحو الإنفاق العام من دون خلق ضغوط إضافية على الأسعار؟
ماذا يعني مؤشر الأسعار 196.2؟
من النقاط التي يركز عليها بن بوهالي ضرورة التمييز بين معدل التضخم ومؤشر أسعار الاستهلاك.
فإذا كان المؤشر قد ارتفع إلى 196.2 مقارنة بسنة أساس قيمتها 100، فهذا يعني أن مستوى الأسعار في سلة المؤشر أصبح أعلى بكثير من مستوى سنة الأساس.
لكن لا يمكن حساب التضخم السنوي ببساطة من خلال طرح 100 من 196.2 ثم تقسيم النتيجة على عدد السنوات.
فالتضخم تراكمي، وحساب معدل النمو السنوي المتوسط يحتاج إلى استخدام معدل النمو المركب، لا القسمة الحسابية المباشرة.
وهذه نقطة مهمة عند قراءة الأرقام، لأنها تمنع الخلط بين مستوى الأسعار ومعدل ارتفاع الأسعار السنوي.
المشكلة الأعمق: القوة الشرائية
بعيدًا عن الجدل حول الرقم الرسمي للتضخم، تبقى النتيجة التي يشعر بها المواطن يوميًا أكثر بساطة: كم أصبح بإمكانه أن يشتري بدخله؟
فإذا ارتفعت الأسعار أسرع من الدخول، تتراجع القوة الشرائية حتى لو بدا معدل التضخم السنوي أقل مما كان عليه في السنوات السابقة.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: «هل انخفض التضخم؟»، بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية:
هل تحسنت القدرة الشرائية للتونسيين؟
الدعم.. المعركة المؤجلة
يرى بن بوهالي أن إصلاح منظومة الدعم أصبح مسألة لا يمكن تأجيلها، معتبرًا أن الدعم العام لا يصل دائمًا إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
لكن إصلاح الدعم يظل من أكثر الملفات حساسية اجتماعيًا، لأن أي رفع للأسعار المدعومة يمكن أن ينعكس سريعًا على تكلفة الغذاء والنقل والطاقة.
ولهذا فإن الانتقال من الدعم العام إلى الدعم الموجه يحتاج إلى آليات دقيقة لحماية الأسر محدودة الدخل، وإلا فإن الإصلاح قد يتحول نفسه إلى عامل جديد لارتفاع الأسعار.
صندوق النقد والعملة والاحتياطي
وفي الجانب الخارجي، يدعو بن بوهالي إلى إعادة فتح باب التعاون مع صندوق النقد الدولي والحصول على تمويل خارجي بشروط أفضل، بما يسمح بتعزيز احتياطي النقد الأجنبي ودعم قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
كما يربط بين قوة الاحتياطي واستقرار الدينار وقدرة تونس على تمويل وارداتها، خصوصًا في حال حدوث صدمات كبيرة في أسعار الطاقة والمواد الأولية.
لكن هذه الرؤية تطرح بدورها سؤالًا آخر: هل تستطيع تونس زيادة الاقتراض الخارجي من دون معالجة جذور العجز المالي والتجاري؟
فالقروض يمكن أن تمنح الاقتصاد وقتًا إضافيًا، لكنها لا تعالج وحدها مشكلة ضعف الإنتاج أو ارتفاع الإنفاق أو اختلال الميزان التجاري.
المعركة الحقيقية ليست مع التضخم وحده
في نهاية المطاف، تكشف قراءة العربي بن بوهالي أن معركة تونس مع التضخم ليست معركة رقم واحد يصدره المعهد الوطني للإحصاء كل شهر.
إنها معركة مرتبطة بالميزانية، والدين، والدينار، والطاقة، والدعم، والإنتاج، والاستثمار، والأجور، والبطالة، والتمويل المصرفي.
ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط: هل نجحت الحكومة في خفض التضخم إلى 5.1%؟
بل:
هل تستطيع تونس خفض التضخم من دون التضحية بالنمو، وتحسين القدرة الشرائية من دون تفجير العجز، وتمويل الدولة من دون خنق القطاع الخاص، وإصلاح الدعم من دون تحميل الفئات الضعيفة كلفة الإصلاح؟



