الرئيسية آخر الأخبار تونس بلا ملياردير واحد في قائمة «فوربس» 2026… لماذا لا تنتج البلاد...

تونس بلا ملياردير واحد في قائمة «فوربس» 2026… لماذا لا تنتج البلاد ثروات بمليارات الدولارات؟

0
1
blank

في وقت تتصدر فيه إسرائيل قائمة دول المنطقة بـ52 مليارديرًا، وتأتي تركيا بـ34 والسعودية بـ12، تظهر تونس في الجهة المقابلة تمامًا: صفر مليارديرات وفق معطيات قائمة «فوربس» العالمية لعام 2026. الرقم قد يبدو للوهلة الأولى مجرد ترتيب للثروات، لكنه يفتح في الواقع سؤالًا أعمق حول قدرة الاقتصاد التونسي على إنتاج شركات عالمية وثروات خاصة ضخمة.

أعادت قائمة «فوربس» للمليارديرات لعام 2026 فتح النقاش حول خريطة الثروة في المنطقة، لكن بالنسبة إلى تونس فإن أكثر ما يلفت الانتباه ليس موقعها في الترتيب، وإنما غيابها أصلًا عن نادي الدول التي تضم مليارديرات.

فالقائمة العالمية التي أصدرتها «فوربس» في مارس 2026 أحصت 3428 مليارديرًا في العالم، موزعين على 80 دولة وإقليمًا، واعتمدت في احتساب الثروات على أسعار الأسهم وأسعار الصرف بتاريخ الأول من مارس 2026.

وبحسب الجدول المتداول للمنطقة، لا يوجد اسم تونسي ضمن قائمة المليارديرات، في حين تظهر دول أخرى بعدد محدود، مثل المغرب بثلاثة مليارديرات، ومصر بخمسة، والإمارات بخمسة، والسعودية بـ12، وتركيا بـ34، بينما تتصدر إسرائيل بـ52 مليارديرًا.

لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى تونس؟

«صفر ملياردير»… ماذا يخبرنا هذا الرقم؟

أول ما ينبغي توضيحه هو أن غياب تونس عن قائمة المليارديرات لا يعني غياب رجال الأعمال الأثرياء في البلاد.

تونس تضم عائلات اقتصادية كبرى، ورجال أعمال يمتلكون حصصًا مهمة في شركات صناعية وتجارية ومالية، كما توجد مجموعات اقتصادية لها حضور قوي في السوق المحلية وبعضها يمتلك أنشطة خارج البلاد.

لكن الوصول إلى قائمة «فوربس» يتطلب امتلاك ثروة صافية لا تقل عن مليار دولار وفق منهجية المجلة.

وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد ثروة في تونس؟ وإنما:

لماذا لم تتحول أي ثروة تونسية حتى الآن إلى ثروة بمليار دولار وفق معايير «فوربس»؟

وهنا تصبح المسألة اقتصادية أكثر منها مجرد قائمة أسماء.

تونس لديها أثرياء… لكنها لا تنتج «عمالقة عالميين»

المفارقة أن تونس ليست دولة فقيرة بالكفاءات أو الشركات الخاصة.

بل لديها قاعدة بشرية متعلمة، ومهندسون وأطباء وخبراء في التكنولوجيا، وقطاع صناعي يرتبط منذ عقود بالأسواق الأوروبية، إضافة إلى قطاعات الفوسفات والطاقة والسياحة والصناعات الغذائية ومكونات السيارات والخدمات.

وتشير صفحة تونس لدى «فوربس» نفسها إلى أن الاقتصاد التونسي يعتمد أساسًا على الصادرات والاستثمار الأجنبي والسياحة، وأن أبرز صادرات البلاد تشمل النسيج والملابس والمنتجات الغذائية والمنتجات النفطية والمواد الكيميائية والفوسفات، مع ارتباط قوي بالسوق الأوروبية.

إذن المشكلة ليست انعدام النشاط الاقتصادي.

المشكلة الأعمق هي أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد التونسي لا يتحول إلى شركات عالمية ذات قيم سوقية ضخمة.

وهذه نقطة أساسية لفهم الفارق بين تونس وإسرائيل أو تركيا أو بعض دول الخليج.

من أين تأتي ثروة الملياردير؟

الملياردير في عالم الأعمال الحديث لا يكون بالضرورة شخصًا يملك مليارات الدولارات نقدًا في حساب مصرفي.

في الغالب تكون الثروة عبارة عن حصص في شركات، وأسهم، وعقارات، واستثمارات وأصول أخرى ترتفع قيمتها مع توسع الشركات والأسواق.

وهذا يعني أن ظهور ملياردير تونسي يتطلب، في العادة، وجود شركة أو مجموعة شركات تستطيع الوصول إلى قيمة ضخمة، مع احتفاظ صاحبها بحصة كبيرة منها.

وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف في الاقتصاد التونسي:

لدينا شركات، لكن ليس لدينا عدد كافٍ من الشركات التونسية التي تحولت إلى علامات أو مجموعات عالمية ضخمة.

البورصة التونسية تكشف جانبًا من المشكلة

عندما ننظر إلى السوق المالية التونسية، نجد شركات كبيرة ومجموعات اقتصادية مهمة، لكن أحجامها السوقية تظل بعيدة جدًا عن أحجام الشركات التي صنعت معظم مليارديرات العالم.

في الاقتصادات التي تنتج عددًا كبيرًا من المليارديرات، تلعب البورصات دورًا مركزيًا في تضخيم قيمة الشركات: شركة تنمو، تفتح أسواقًا جديدة، ترفع أرباحها، تدخل البورصة، ترتفع قيمتها، وترتفع بالتالي قيمة حصة مؤسسها.

أما في تونس، فالسوق المالية أصغر بكثير، وعدد الشركات المدرجة محدود مقارنة بالاقتصادات الكبرى.

وهذا لا يعني أن البورصة التونسية غير قادرة على خلق الثروة، وإنما يعني أن حجم السوق نفسه يضع سقفًا نسبيًا أمام تكوين ثروات عملاقة.

الاقتصاد التونسي… لماذا يصعب عليه إنتاج شركة عالمية؟

هنا ربما تكمن النقطة الأهم في القصة.

تونس بنت خلال عقود اقتصادًا يعتمد بدرجة كبيرة على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والتصدير الصناعي، والخدمات، والسياحة، والتجارة، والمؤسسات العائلية.

وهذه الأنشطة يمكن أن تكون مربحة جدًا، لكنها لا تنتج بالضرورة شركات تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات.

والفرق كبير بين أن تكون لديك شركة ناجحة في تونس وبين أن تكون لديك شركة تستطيع بيع منتجاتها في مئة دولة، أو الاستحواذ على شركات أجنبية، أو دخول الأسواق المالية العالمية.

الملياردير عادة هو نتيجة شركة عملاقة، وليس مجرد نتيجة تجارة ناجحة.

التكنولوجيا… الفرصة التي لم تتحول إلى ثروة ضخمة

تمتلك تونس واحدة من أهم نقاط القوة التي يمكن أن تساعدها على تغيير هذه المعادلة: رأس المال البشري.

لكن المشكلة أن امتلاك المهندسين والمبرمجين والكفاءات لا يكفي وحده.

السؤال هو: هل تستطيع تونس الاحتفاظ بهذه الكفاءات؟ وهل تستطيع الشركات المحلية تمويل نموها؟ وهل تستطيع شركة تونسية ناشئة أن تنتقل من سوق محلية صغيرة إلى سوق عالمية دون أن تضطر إلى نقل مركزها أو ملكيتها أو تمويلها إلى الخارج؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد البحث عن اسم تونسي في قائمة المليارديرات.

ففي قائمة «فوربس» العالمية لعام 2026، بلغ عدد المليارديرات 3428 شخصًا، بثروة جماعية قدرها نحو 20.1 تريليون دولار، ما يؤكد الحجم الهائل للثروة التي خلقتها الشركات والاستثمارات العالمية.

إسرائيل… لماذا تبدو المقارنة صادمة؟

هنا تصبح المقارنة الإقليمية مفيدة، ولكن بشرط عدم تبسيطها.

إسرائيل، وفق بيانات «فوربس» لعام 2026، لديها 52 مليارديرًا، بينما لا يوجد اسم تونسي في القائمة.

ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يتعرض لأزمات أو تكاليف اقتصادية بسبب الحرب، ولا يعني أن عدد المليارديرات معيار شامل لنجاح الاقتصاد.

لكن الرقم يكشف قدرة مختلفة على تحويل التكنولوجيا والابتكار والاستثمار والشركات الناشئة إلى شركات ذات قيمة عالمية.

وهذه تحديدًا هي الحلقة التي تحتاج تونس إلى دراستها: ليس كيف تصنع «مليارديرًا»، وإنما كيف تصنع شركة تونسية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات ويكون مركز القرار والملكية والنمو فيها مرتبطًا بتونس.

تركيا تقدم نموذجًا مختلفًا

تركيا، التي يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين، تظهر بـ34 مليارديرًا في الجدول المتداول.

وهذا النمو لم ينتج عن التكنولوجيا وحدها، بل عن تراكم ثروات في قطاعات واسعة: الصناعة، العقارات، الأغذية، التجارة، الطاقة والخدمات.

أي أن الدرس التركي مختلف عن الدرس الإسرائيلي:

إسرائيل تُظهر قوة الشركات عالية التكنولوجيا والابتكار، وتركيا تُظهر قدرة اقتصاد كبير على إنتاج مجموعات صناعية وتجارية ضخمة.

أما تونس فما زالت تعاني من صعوبة نقل عدد أكبر من مؤسساتها من مرحلة الشركة المحلية الناجحة إلى المجموعة الإقليمية أو العالمية.

والمغرب؟ ثلاثة مليارديرات

المغرب يظهر في القائمة بثلاثة مليارديرات، وفق البيانات الإفريقية لـ«فوربس» لعام 2026. وتضم القائمة الإفريقية 23 مليارديرًا بثروة جماعية تبلغ نحو 126.7 مليار دولار.

وهنا تصبح المقارنة مع تونس أكثر مباشرة.

فالمغرب وتونس دولتان مغاربيتان، ولهما قطاعات مشتركة مثل السياحة والصناعة والخدمات والصناعات الغذائية، لكن المغرب نجح في بناء مجموعات اقتصادية ذات انتشار إقليمي ودولي أكبر.

وهذا لا يعني أن وجود ثلاثة مليارديرات يجعل الاقتصاد المغربي أفضل تلقائيًا من الاقتصاد التونسي.

لكن الفارق يطرح سؤالًا يستحق البحث: لماذا تمكنت شركات مغربية من بلوغ أحجام ضخمة بينما لم تصل شركة تونسية إلى الحجم نفسه؟

هل «صفر ملياردير» مشكلة؟

ليس بالضرورة.

فعدد المليارديرات ليس مؤشرًا كافيًا لقياس رفاه المجتمع.

قد تكون دولة لديها عشرات المليارديرات لكنها تعاني من تفاوت اجتماعي كبير، وقد تكون دولة أخرى بلا مليارديرات وتتمتع بمستويات عالية من الخدمات والدخل وجودة الحياة.

لكن في الحالة التونسية، يصبح الرقم مهمًا عندما نضعه في سياق آخر:

تونس لا تحتاج إلى مليارديرات بقدر حاجتها إلى شركات تونسية ضخمة.

شركة تكنولوجية عالمية.

شركة صناعية متعددة الجنسيات.

مجموعة غذائية تصدر إلى عشرات الدول.

شركة مالية إقليمية.

شركة طاقة أو خدمات قادرة على التوسع خارج الحدود.

هذه الشركات، إذا نشأت ونمت داخل تونس، يمكن أن تنتج آلاف الوظائف، وتجلب العملة الصعبة، وتخلق طبقة جديدة من المستثمرين وأصحاب الأسهم، وتدفع الاقتصاد بأكمله إلى الأمام.

وقد يأتي الملياردير لاحقًا كنتيجة طبيعية لهذا النمو، وليس كهدف في حد ذاته.

المشكلة الحقيقية ليست «غياب الملياردير»… بل غياب الشركة العملاقة

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم التي ينبغي أن يخرج بها القارئ التونسي من أرقام «فوربس».

تونس لا تعاني من مشكلة اسمها «لماذا ليس لدينا ملياردير؟».

المشكلة هي:

لماذا لم تستطع تونس حتى الآن إنتاج عدد كبير من الشركات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات وتنافس عالميًا؟

وهذا السؤال يقود مباشرة إلى قضايا أكبر: التمويل، حجم السوق، التوسع الخارجي، الاستثمار، البيروقراطية، التشريعات، الحوكمة، البحث العلمي، حماية الملكية الفكرية، ربط الجامعات بالمؤسسات، قدرة الشركات الناشئة على جمع التمويلات الكبرى، والأهم قدرتها على البقاء تونسية عندما تتحول إلى شركات عالمية.

فـ«فوربس» لا تقول إن تونس بلا ثروة.

إنها تكشف شيئًا أكثر دقة:

حتى عام 2026، لم تتمكن تونس من إنتاج ثروة فردية تبلغ مليار دولار وفق معايير القائمة العالمية، في وقت أصبح فيه العالم يضم 3428 مليارديرًا، ونجحت دول أصغر أو قريبة من حجم تونس في بناء شركات وثروات تتجاوز الحدود.

وبالنسبة إلى تونس، ربما لا ينبغي أن يكون السؤال: «أين الملياردير التونسي؟»

بل السؤال الأصعب والأكثر أهمية:

«أين الشركة التونسية التي يمكن أن تصنع أول ملياردير تونسي؟»

blank