لم تعد تداعيات التوترات الجيوسياسية العالمية بعيدة عن حياة التونسي اليومية، إذ يمكن أن تنتقل آثار الأزمات النفطية واضطرابات النقل البحري والمواد الأولية، بشكل غير مباشر، إلى أسعار عدد من المنتجات الاستهلاكية، ومن بينها المياه المعلبة.
وفي هذا السياق، يشرح الخبير البيئي حمدي حشاد أن قارورة الماء لا تعكس فقط كلفة المياه الموجودة داخلها، بل تدخل في سعرها سلسلة طويلة من المصاريف تبدأ من صناعة القارورة البلاستيكية ولا تنتهي عند النقل والتوزيع والتبريد.
ويشير حشاد إلى أن قارورة المياه مصنوعة أساسًا من بلاستيك «البولي إيثيلين تيرفثالات»، المعروف اختصارًا باسم «بي إي تي»، وهو مادة ترتبط صناعتها بمواد بتروكيميائية تتأثر بدورها بأسعار النفط والطاقة والشحن والنقل البحري.
وبالتالي، فإن أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة أو اضطراب في طرق التجارة العالمية يمكن أن ينعكس تدريجيًا على تكلفة إنتاج العبوات البلاستيكية، ثم على تكلفة نقل المنتجات وتوزيعها.
ولا تقتصر كلفة قارورة الماء، وفق هذا التفسير، على الماء والقارورة فقط، بل تشمل كذلك الغطاء والملصق والتغليف والنقل والتخزين والتبريد، وهي عناصر يمكن أن ترتفع كلفتها عندما ترتفع أسعار الطاقة والمواد الأولية أو تتزايد أعباء النقل.
وفي الحالة التونسية، تضاف إلى هذه العوامل كلفة التوريد بالعملة الأجنبية، وتقلبات سعر الصرف، وكلفة النقل الداخلي، إلى جانب الضغوط التي عرفها قطاع الكهرباء خلال فترات ذروة الاستهلاك الصيفي.
ويؤكد حشاد، في المقابل، أن تحميل الحرب في الشرق الأوسط أو القرارات الأميركية وحدها مسؤولية ارتفاع أسعار المياه في تونس سيكون تبسيطًا مفرطًا. فالسعر النهائي للمنتج هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المحلية والدولية، من كلفة المواد الأولية إلى التصنيع والنقل والتوزيع وهوامش مختلف المتدخلين.
وبحسب المعطيات التي أوردها الخبير، فإن ستيكة المياه، أي العبوة التي تضم ست قوارير، كانت تُعرض في بعض الفترات بأسعار تراوحت بين نحو ثلاثة وأربعة دنانير، قبل أن تصل في بعض نقاط البيع إلى حدود ستة دنانير، بحسب العلامة التجارية والحجم ونقطة البيع.
وهنا تظهر إحدى أبسط صور العولمة الاقتصادية: اضطراب في سوق الطاقة أو النقل البحري في منطقة بعيدة يمكن أن ينتقل، بعد مروره عبر سلسلة طويلة من المواد الأولية والتصنيع والشحن والتوزيع، إلى سعر منتج موجود فوق طاولة التونسي.
لكن ذلك لا يعني أن كل زيادة في سعر الماء المعلب سببها النفط أو التطورات الجيوسياسية. فالسعر النهائي يحتاج إلى تفكيك دقيق لعناصر الكلفة، حتى يمكن تحديد حصة كل عامل، من البلاستيك والطاقة والنقل إلى التوزيع والضرائب وهوامش الربح.
وهكذا، فإن قارورة الماء التي تبدو للوهلة الأولى منتجًا بسيطًا، تكشف في الواقع عن شبكة اقتصادية عالمية معقدة، يمكن أن تبدأ من المواد البتروكيميائية والنفط والشحن البحري، وتنتهي عند رف متجر أو حانوت في تونس.



