لم يكن تعيين البريطاني ألكسندر كريمر ممثلاً جديداً لمجموعة البنك الدولي في تونس مجرد تغيير في اسم المسؤول المقيم بالمكتب التونسي. فالرجل الذي يصل إلى تونس في أكتوبر 2026 يأتي في لحظة تتقاطع فيها ملفات الاقتصاد والمالية والطاقة والمياه والتنمية الجهوية، وهي تقريباً الملفات التي راكم فيها خبرة طويلة داخل البنك الدولي وخارجه.
كريمر يخلف ألكسندر أروبيو، الذي تولى هذه المهمة لنحو خمس سنوات، لكنه يصل هذه المرة بصلاحيات ذات دلالة مختلفة: فهو أول ممثل لمجموعة البنك الدولي في تونس يتولى تمثيل المؤسسات الثلاث للمجموعة معاً، أي البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار. وتقول «لا برس» إن هذا التغيير يندرج ضمن توجه نحو حلول أكثر تكاملاً تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص.
وهنا تبدأ أهمية التعيين.
كريمر ليس غريباً عن تونس
أحد أكثر المعطيات إثارة في السيرة المهنية للمسؤول البريطاني أنه سبق أن عمل على ملفات مرتبطة بتونس والمنطقة.
وبحسب المعطيات المنشورة حول مسيرته، عمل كريمر في السياسات الاقتصادية والزراعية والطاقة والتنمية الترابية في عدد من بلدان المنطقة، من بينها تونس وسوريا ولبنان، كما شارك في أعمال تحليلية حول التنمية الاقتصادية وإدارة المياه والطاقة والفوارق بين الجهات.
وهذا يجعل عودته إلى تونس مختلفة عن تعيين مسؤول يأتي للمرة الأولى إلى البلاد ويتعين عليه اكتشاف الملفات من الصفر.
كريمر يحمل أكثر من 35 سنة من الخبرة في التعاون الدولي والسياسات العمومية والتنمية الاقتصادية، وشغل سابقاً مسؤوليات للبنك الدولي في لاوس وبيلاروسيا ومولدوفا وقيرغيزستان وتركمانستان، كما تولى بالنيابة إدارة البنك في أوكرانيا. وقبل التحاقه بالبنك الدولي شغل مناصب قيادية في وزارة التنمية الدولية البريطانية والمفوضية الأوروبية.
لماذا الآن؟
الإجابة لا توجد في إعلان التعيين نفسه، ولا توجد، حتى الآن، وثيقة رسمية تقول إن كريمر جاء إلى تونس لإعادة فتح ملف تمويل بعينه أو لفرض شروط جديدة على الحكومة.
لكن توقيت التعيين يلفت الانتباه.
فالبنك الدولي أصدر قبل أيام فقط أحدث تقييم اقتصادي له لتونس، وكان عنوانه بحد ذاته كاشفاً: «تحدي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيف».
التقرير توقع نمو الاقتصاد بنسبة 2.3 بالمائة خلال 2026، ثم متوسط نمو في حدود 2.1 بالمائة خلال 2027 و2028، في وقت حذر فيه من استمرار الاختلالات المالية والخارجية وارتفاع مخاطر ندرة المياه.
أي أن المسؤول الجديد يبدأ مهمته في بلد لا يبحث فقط عن تمويل مشاريع جديدة، وإنما يحتاج إلى التعامل مع سؤال أكبر: كيف يمكن تمويل التنمية والخدمات الأساسية في الوقت الذي أصبحت فيه المياه والطاقة والمالية العمومية قيوداً مباشرة على النمو؟
المياه.. الملف الذي لم يعد بيئياً فقط
اختيار مسؤول يمتلك خبرة في إدارة المياه يبدو منطقياً في ظل التحول الذي طرأ على نظرة البنك الدولي إلى أزمة المياه التونسية.
فالتقرير الأخير للبنك الدولي يقدر نصيب الفرد في تونس من المياه العذبة المتجددة بنحو 380 متراً مكعباً سنوياً، وهو مستوى يقع تحت عتبة الندرة المائية المطلقة.
والأكثر أهمية أن البنك لا يتعامل مع المسألة باعتبارها مشكلة قطاعية تخص وزارة الفلاحة أو الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه فقط، بل باعتبارها قضية اقتصادية تمس النمو وفرص العمل والاستثمار.
ووفق تقديرات البنك، يمكن أن تؤدي ندرة المياه إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لتونس بنسبة 6.4 بالمائة بحلول سنة 2050 إذا لم تتم معالجة المشكلة. كما أن الزراعة، التي تشغل 14 بالمائة من اليد العاملة وتصل النسبة إلى نحو نصف العمال في المناطق الريفية، ستكون من أكثر القطاعات تعرضاً للخطر.
وهنا يصبح ملف المياه مرتبطاً مباشرة بملف التنمية الجهوية.
فالمناطق الأكثر هشاشة مائياً هي في الغالب المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الاستثمار وفرص العمل، ما يجعل أزمة المياه عاملاً إضافياً في تعميق الفوارق بين الجهات.
والبنك بدأ بالفعل بضخ أموال كبيرة في هذا الملف
التعيين الجديد يأتي أيضاً بعد سلسلة قرارات مالية مهمة للبنك الدولي تجاه قطاع المياه في تونس.
ففي مارس 2026، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك على مشروعين جديدين للأمن المائي والقدرة على الصمود بقيمة إجمالية تبلغ 332.5 مليون دولار، تشمل 208.5 مليون دولار لمشروع الأمن المائي ومياه الشرب و124 مليون دولار لمشروع الأمن المائي للري والزراعة.
وتشير بيانات البنك إلى أن محفظته في تونس كانت، إلى نهاية يونيو 2026، تضم تعرضاً للبنك الدولي للإنشاء والتعمير بقيمة تتجاوز 4.3 مليارات دولار، فيما تجاوزت الالتزامات الإجمالية للمشاريع 13.9 مليار دولار عند احتساب مختلف مؤسسات المجموعة والمشاريع المسجلة في البيانات المنشورة.
لذلك فإن مهمة المسؤول الجديد لن تكون مرتبطة بتوقيع قروض جديدة فقط، وإنما أيضاً بمتابعة تنفيذ محفظة واسعة من المشاريع القائمة وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
الطاقة.. العقدة الثانية
إذا كان الماء يمثل أحد أكبر التحديات طويلة المدى، فإن الطاقة تمثل ضغطاً مالياً فورياً على الاقتصاد التونسي.
والبنك الدولي سبق أن أطلق في نوفمبر 2025 برنامجاً بقيمة 430 مليون دولار لدعم تحول قطاع الطاقة في تونس، يهدف إلى تطوير الطاقات المتجددة، وتحسين موثوقية الكهرباء، وتعزيز حوكمة القطاع، إلى جانب تحسين أداء الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وتضع وثائق البنك الدولي الطاقة والمياه ضمن القطاعات ذات الأولوية للإصلاح، إلى جانب الفلاحة ورأس المال البشري والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن وثائق البنك تشير إلى أن قطاع الطاقة مثل 18.2 بالمائة من واردات تونس سنة 2024، بينما بلغت دعم الطاقة 4.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة نفسها.
بعبارة أخرى، ملف الطاقة بالنسبة إلى المؤسسات المالية الدولية ليس مجرد ملف بنية تحتية، بل جزء من معادلة المالية العمومية والعجز التجاري والاستقرار الاقتصادي.
الرجل الذي اختبر أيضاً ملف المالية العمومية
مسيرة كريمر لا تقتصر على المياه والطاقة.
فخلال مسيرته في البنك الدولي، شارك في ملفات تتعلق بإدارة المالية العمومية والإصلاحات الاقتصادية، وظهر في مناسبات مرتبطة بإصلاحات المالية العامة على المستوى المركزي والمحلي، خصوصاً خلال عمله في أوروبا الشرقية.
وفي أوكرانيا، تحدث كريمر بصفته مسؤولاً في البنك الدولي عن أهمية تحسين إدارة المالية العمومية على المستويين الوطني والمحلي، وربط ذلك مباشرة بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وهذا الجانب مهم لتونس في مرحلة أصبحت فيها قدرة الدولة على تمويل نفقاتها ومشاريعها من أبرز الأسئلة المطروحة أمام المؤسسات الدولية.
