الخبير الاقتصادي يعتبر أن الإشكال لا يتعلق بشخص محافظ البنك المركزي، بل بالقانون الأساسي للمؤسسة، وينتقد التناقض بين الترفيع في الفائدة وتمويل خزينة الدولة، محذراً من انعكاسات السياسة النقدية على الإنتاج والاستثمار والقدرة الشرائية للتونسيين.
أعاد الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي طرح مسألة دور البنك المركزي التونسي في إدارة الأزمة الاقتصادية، متسائلاً عن مدى نجاعة السياسات النقدية المعتمدة في مواجهة التضخم، والحفاظ على قيمة الدينار، ودعم النمو. ويرى الشكندالي أن الإخفاقات المسجلة على هذه المستويات لا يمكن اختزالها في أداء محافظ البنك المركزي، بل تستدعي مراجعة الإطار القانوني الذي ينظم عمل المؤسسة وعلاقتها بالسياسة الاقتصادية للدولة.
وفي قراءة نشرها بشأن السياسة النقدية في تونس، يذهب الشكندالي إلى أن الأدوات التي يعتمدها البنك المركزي لمواجهة التضخم قد تتحول، في ظل خصوصية الاقتصاد التونسي، إلى عامل إضافي يضغط على الاستثمار والإنتاج، بدل أن تؤدي وحدها إلى استعادة التوازنات الاقتصادية.
هل يواجه البنك المركزي تضخماً لا يفهم أسبابه؟
ينطلق الشكندالي من انتقاد المقاربة التي تعتمد أساساً على الترفيع في نسبة الفائدة المديرية باعتبارها وسيلة للحد من التضخم عبر تقليص الطلب والاستهلاك.
ويعتبر أن هذه المقاربة لا تأخذ بالقدر الكافي خصوصية الاقتصاد التونسي، حيث لا يمثل فائض الطلب، وفق تحليله، السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار، بقدر ما ترتبط الأزمة بصعوبات هيكلية تعيق الإنتاج والاستثمار وتحد من العرض في الأسواق.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن ضعف الاستثمار الخاص، وتعقّد الإجراءات الإدارية والتشريعية، والصعوبات التي تواجه المؤسسات الاقتصادية، كلها عوامل تؤثر في قدرة الاقتصاد على توفير السلع والخدمات بالكميات المطلوبة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن رفع الفائدة يزيد كلفة الاقتراض على المؤسسات والعائلات، وقد يؤدي إلى تأجيل مشاريع استثمارية أو الحد من توسع المؤسسات القائمة، بما يضعف الإنتاج ويحد من فرص خلق الثروة.
كما يشكك في قدرة الترفيع في الفائدة، في ظل محدودية جاذبية السوق المالية التونسية، على استقطاب تدفقات كبيرة من رؤوس الأموال الأجنبية، على غرار ما يمكن أن يحدث في اقتصادات ذات أسواق مالية أوسع وأكثر اندماجاً في حركة رؤوس الأموال الدولية.
وبحسب هذه القراءة، فإن معالجة التضخم تقتضي التمييز بين ارتفاع الأسعار الناجم عن زيادة الطلب، وذلك المرتبط بنقص الإنتاج واضطراب سلاسل التزويد وارتفاع كلفة المواد الأولية.
تمويل الدولة وتشديد الاقتراض على المؤسسات: أين يكمن التناقض؟
من أبرز النقاط التي يثيرها الشكندالي ما يعتبره تناقضاً بين سياسة البنك المركزي في مواجهة التضخم ودوره في تمويل حاجيات الدولة.
ففي الوقت الذي يعتمد فيه البنك المركزي نسبة فائدة مرتفعة نسبياً لكبح الضغوط التضخمية، استفادت الدولة من آلية التمويل المباشر التي أُقرت لتغطية جزء من حاجيات الخزينة.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى تمويل بقيمة 25 مليار دينار على امتداد ثلاث سنوات، دون فوائد، مع فترة إمهال تمتد لثلاث سنوات، معتبراً أن هذه الآلية تثير تساؤلات بشأن مدى انسجامها مع السياسة النقدية المعلنة.
وفي تقديره، يؤدي ضخ الأموال لتمويل الدولة، من جهة، وتشديد شروط التمويل أمام المؤسسات والعائلات، من جهة أخرى، إلى تناقض في إدارة السيولة داخل الاقتصاد.
ويحذر الشكندالي من أن ضخ السيولة لا يضمن في حد ذاته تحقيق نمو اقتصادي، خصوصاً عندما لا يقابله توسع في الإنتاج والاستثمار. فإذا ظلت العوائق التي تحول دون زيادة العرض قائمة، فقد تتحول السيولة الإضافية إلى ضغط على الأسعار، دون أن تحقق النتائج المنتظرة على مستوى النشاط الاقتصادي.
وتطرح هذه المسألة، وفق تحليله، سؤالاً أوسع يتعلق بمدى التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وكيفية توزيع كلفة التوازنات المالية للدولة بين مختلف الأطراف الاقتصادية.
هل تتحول حماية احتياطي العملة الصعبة إلى عبء على الإنتاج؟
يتوقف الشكندالي أيضاً عند سياسة الصرف، وما تفرضه من توازن دقيق بين حماية احتياطي تونس من العملة الأجنبية والمحافظة على قدرة المؤسسات على التزود بالمواد الضرورية لنشاطها.
ففي الاقتصاد التونسي، لا تقتصر الواردات على السلع الاستهلاكية، بل تشمل المواد الأولية والمنتجات نصف المصنعة ومعدات التجهيز التي تحتاج إليها قطاعات واسعة من الصناعة والخدمات.
ويحذر الخبير من أن الضغط على الواردات، أو ارتفاع كلفتها نتيجة تراجع قيمة الدينار، قد ينعكس مباشرة على الإنتاج المحلي، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تتوفر لديها بدائل محلية للمواد التي تستوردها.
وفي مثل هذه الحالات، لا يؤدي تقلص الواردات بالضرورة إلى تحسين التوازنات الاقتصادية، إذ يمكن أن يتسبب في نقص مستلزمات الإنتاج، وتعطيل بعض الأنشطة الصناعية، وتراجع المعروض من السلع والخدمات.
وتكمن المفارقة، بحسب هذه القراءة، في أن الإجراءات الرامية إلى حماية الاحتياطي من العملة الصعبة قد تحمل كلفة اقتصادية إضافية إذا أضعفت قدرة المؤسسات على الإنتاج والتصدير.
لذلك، لا يتعلق التحدي بمجرد تقليص فاتورة الواردات، بل بإيجاد توازن يسمح بتأمين حاجيات الإنتاج، والحد من الضغط على العملة الصعبة، وتطوير القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي.
هل تكفي استقالة المحافظ أو تغييره لتغيير السياسة النقدية؟
يضع الشكندالي جوهر الإشكال في الإطار القانوني المنظم لعمل البنك المركزي، معتبراً أن تحميل محافظ البنك وحده مسؤولية النتائج الاقتصادية يغفل طبيعة الصلاحيات والالتزامات التي تحكم المؤسسة.
ومن وجهة نظره، فإن تغيير الأشخاص لا يكفي لإحداث تحول جوهري ما دامت القواعد التي تضبط عمل البنك المركزي وعلاقته بالحكومة قائمة دون مراجعة.
ويدعو الخبير إلى مراجعة عميقة للقانون الأساسي للبنك المركزي، بما يسمح بربط السياسة النقدية بصورة أوضح بمتطلبات النمو الاقتصادي الفعلي، مع إرساء تنسيق متوازن بين السياسة النقدية والسياسة الجبائية.
ولا يعني هذا التوجه، وفق الطرح الذي يقدمه، إخضاع البنك المركزي للحكومة أو التخلي عن استقلاليته، بل البحث عن صيغة تضمن استقلالية المؤسستين وتمنع تحولهما إلى طرفين يتحرك كل منهما بمعزل عن الآخر، في وقت تتداخل فيه القرارات النقدية والمالية بصورة مباشرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الضغوط التي تواجه المالية العمومية وحاجة الدولة إلى تعبئة الموارد، مقابل حاجة المؤسسات الاقتصادية إلى تمويل ميسر يسمح لها بالاستثمار والإنتاج والتشغيل.
المواطن في نهاية سلسلة القرارات
في المحصلة، يحذر الشكندالي من أن استمرار التناقض بين أدوات السياسة النقدية ومتطلبات الإنتاج قد يفاقم الصعوبات التي تواجه الاقتصاد التونسي، من ضعف النمو إلى ارتفاع كلفة التمويل وتراجع القدرة الشرائية.
فالمؤسسات التي تتحمل كلفة اقتراض أعلى قد تقلص استثماراتها، والمنتجون الذين يواجهون صعوبات في الحصول على المواد الأولية قد يخفضون إنتاجهم، فيما تجد العائلات نفسها أمام أسعار مرتفعة وقدرة محدودة على الاقتراض والاستهلاك.
وبين حاجيات الدولة التمويلية، وضغوط التضخم، ومتطلبات حماية الدينار، يطرح الخبير الاقتصادي سؤالاً أساسياً حول جدوى سياسة نقدية لا تتكامل، في نظره، بما يكفي مع السياسات الاقتصادية الأخرى.
وبالنسبة إلى الشكندالي، فإن المعضلة لا تكمن في البحث عن ربان جديد للسفينة، بل في مراجعة القواعد التي تحدد مسارها، حتى لا تبقى كلفة الاختلالات الاقتصادية محمولة أساساً على المؤسسات المنتجة والمواطن التونسي.
