بينما تنجح شعوب العالم في تطويع الأسواق وكسر شوكة جشع التجار بخطوة بسيطة تتلخص في كلمة « لا »، تبدو حملات مقاطعة الغلاء في تونس وكأنها تولد ميتة أو تنتهي قبل أن تبدأ. من تجربة الأرجنتين التي أسقطت احتكار الطماطم في أيام، إلى مقاطعة المغرب التاريخية لشركات الحليب والمحروقات عام 2018، أثبتت المقاطعة أنها « سلاح دمار شامل » في يد المستهلك. لكن في تونس، وبرغم تواتر الأزمات، تظل حملات مثل « خليه ينتن » أو « قاطع الغلاء تعيش بالقدا » مجرد صيحات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي لا يتردد صداها في الأسواق. فما الذي يجعل هذا السلاح فعالاً عالمياً وفاشلاً في البيئة التونسية؟
إن تفكيك المشهد التونسي يكشف أن الفشل ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لالتقاء ضعف هيكلي في المنظمات، وتشوهات حادة في ثقافة الاستهلاك، ضمن واقع اقتصادي معقد.
أولاً: المعضلة التنظيمية.. معارك بلا قيادة ولا بدائل
في كل التجارب الدولية الناجحة، لم تكن المقاطعة عملاً عفوياً، بل كانت حرباً تدار بغرف عمليات تقودها جمعيات حماية مستهلك ونقابات قوية. في تونس، يفتقر المشهد إلى هذا التأطير الهيكلي لثلاثة أسباب رئيسية:
- منظمات بلا مخالب قانونية: تفتقر الهياكل التونسية، وعلى رأسها المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، إلى الصلاحيات التنفيذية أو الآليات القانونية والمالية الضخمة التي تمتلكها المنظمات الغربية، والتي تمكنها من مقاضاة اللوبيات أو توفير دراسات موثوقة للرأي العام. دور المنظمات في تونس ظل استشارياً أو مقتصراً على إطلاق صيحات الفزع.
- غياب استراتيجية « البديل »: المقاطعة الناجحة لا تعني تجويع الذات، بل نقل القوة الشرائية من منتج غالٍ إلى منتج بديل أرخص وبجودة مقبولة. في السوق التونسية، تعاني قطاعات حيوية عديدة من احتكار القلة (محدود)، حيث تتحكم عائلات أو شركات معدودة في مسالك التوزيع والإنتاج. غياب البديل المحلي الحقيقي يحوّل المقاطعة من أداة ضغط إلى عقوبة ذاتية للمستهلك، وهو ما يدفعه للتراجع سريعاً.
- الاقتصاد الموازي ومسالك التوزيع الملتوية: في الدول المتقدمة، تتم المقاطعة عبر سلاسل المساحات الكبرى التي يسهل الضغط عليها. أما في تونس، فإن تغلغل الاقتصاد الموازي وعشوائية مسالك التوزيع يجعلان من الصعب تتبع الأسعار أو محاصرة التاجر المحتكر الذي يجد دائماً منافذ بديلة لتصريف بضاعته.
ثانياً: سيكولوجية الاستهلاك التونسي.. بين « اللهفة » والموسمية
لا يمكن عزل فشل المقاطعة عن السلوك النفسي والاجتماعي للمستهلك التونسي، والذي يتسم بخصائص تحرم الحملات من الاستدامة:
- ظاهرة « اللهفة » والاستهلاك العاطفي: يعاني السلوك الاستهلاكي في تونس من « فوبيا الندرة ». بمجرد الإعلان عن نقص مادة ما أو ارتفاع سعرها، يهرع المواطن لاقتنائها وتخزينها خوفاً من انقطاعها، بدلاً من مقاطعتها. هذا السلوك الانفعالي يمنح التاجر المحتكر الضوء الأخضر لرفع الأسعار أكثر، مستغلاً غريزة البقاء لدى المستهلك.
- ارتباط الاستهلاك بالمناسبات والمظاهر: المستهلك التونسي يجد صعوبة بالغة في التخلي عن عاداته الغذائية والاجتماعية المرتبطة بالمواسم (رمضان، الأعياد، العودة المدرسية). حملات مقاطعة اللحوم الحمراء أو « الزقزوقو » تفشل دائماً عند اقتراب المناسبة، لأن الرغبة في الحفاظ على الطقوس والمظاهر الاجتماعية تتفوق على الوعي الاقتصادي.
- قصر النَفَس التجاري: تبدأ الحملات في تونس بزخم « افتراضي » هائل على فيسبوك، لكنها تفتقر إلى النَفَس الطويل. المستهلك التونسي يمل سريعاً ويبحث عن الحلول الفردية السهلة بدل الالتزام بالجماعية الصارمة التي تتطلب صبراً لأسابيع حتى تؤتي المقاطعة أكلها.
ثالثاً: فخ المربع الاقتصادي.. عندما يقتل الفقر الوعي
هناك مغالطة كبيرة في مقارنة المستهلك التونسي بنظيره في الدول المستقرة اقتصادياً. التونسي اليوم يعيش تحت وطأة تدهور حاد وغير مسبوق في قدرته الشرائية، متزامناً مع شح دوري في المواد الأساسية (كالزيت، السكر، البن، والأرز).
في هذه البيئة القاسية، تتحول أولويات المواطن من « الرفاهية الفكرية للمقاطعة » إلى « معركة تأمين القوت ». عندما يقضي المواطن يومه في البحث عن كيس سكر أو قارورة زيت، تصبح المادة المتوفرة غنيمة بقطع النظر عن سعرها أو جشع باعتها. الفقر وضيق الخيارات يكسران التضامن الشعبي؛ فالجائع أو المحتاج لا يملك ترف المقاطعة الصارمة.
خاتمة: كيف ينكسر الحصار؟
إن فشل تجارب مقاطعة الغلاء في تونس ليس قدراً محتوماً، ولكنه نتاج حلقة مفرغة: غياب البدائل والمنظمات القوية يضعف عزيمة المستهلك، وسلوك « اللهفة » لدى المستهلك يجهض جهود المنظمات.
لن ينجح هذا السلاح في تونس إلا إذا تحولت المقاطعة من « موجة غضب فيسبوكية موسمية » إلى ثقافة مجتمعية مؤطرة مؤسساتياً، تبدأ بإصلاح مسالك التوزيع، وتمر عبر كسر الاحتكارات وتوفير البدائل، وتنتهي بوعي مواطني يدرك أن ديناره هو صوته الانتخابي الحقيقي في السوق، وأن التاجر الجشع لا يركع أمام الشكوى، بل أمام البضاعة التي تفسد في مخازنه.
