تقترب تونس من الدخول في مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان، وذلك مع اقتراب الإعلان الرسمي عن إطلاق مفاوضات لإبرام اتفاقية منطقة تبادل حر بين الجانبين، في خطوة تحمل أبعادا اقتصادية وتجارية وجيوسياسية متشابكة.
ومن المنتظر أن يوافق قادة دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، خلال اجتماع المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى المرتقب عقده خلال الأيام المقبلة، على بدء المفاوضات الرسمية مع تونس بشأن توقيع اتفاقية تجارة حرة، وفق ما أكده مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، الذي أشار إلى أن الملف مدرج ضمن جدول الأعمال الدولي للقمة المقبلة.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر من المشاورات الفنية والدراسات المشتركة بين الطرفين، حيث أكدت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية أن تقرير فريق البحث المشترك بلغ مراحله النهائية، ما يمهد لعرضه على قادة الدول الأعضاء لاتخاذ القرار الرسمي قبل نهاية النصف الأول من السنة الجارية.
بوابة نحو إفريقيا والمتوسط
وتنظر موسكو إلى تونس باعتبارها شريكا استراتيجيا يتمتع بموقع جغرافي محوري بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء، فضلا عن انفتاحها على الفضاء المتوسطي والعربي، وهو ما يمنحها أهمية خاصة ضمن الرؤية الروسية الهادفة إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والتجاري في شمال إفريقيا.
ويعتبر خبراء روس أن تونس يمكن أن تتحول إلى منصة لوجستية وتجارية مهمة للشركات الروسية الراغبة في النفاذ إلى الأسواق الإفريقية والمتوسطية، خاصة في ظل شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط تونس بعدد من الدول والتكتلات الاقتصادية.
وفي المقابل، قد تتيح اتفاقية التبادل الحر لتونس فرصا جديدة لتنويع شركائها الاقتصاديين وتقليص الارتهان التقليدي للأسواق الأوروبية، عبر تسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى سوق يضم أكثر من 180 مليون مستهلك داخل الاتحاد الأوراسي.
تبادل تجاري متصاعد
وشهدت المبادلات التجارية بين تونس وروسيا نموا لافتا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3.2 مليارات دولار سنة 2025، وفق معطيات روسية، مقابل قرابة ملياري دولار خلال سنة 2024.
وأصبحت روسيا من أبرز مزودي تونس بالحبوب، خاصة القمح والشعير وزيت دوار الشمس، كما توسعت صادراتها نحو السوق التونسية لتشمل الحليب المجفف واللحوم والأسماك ومنتجات غذائية أخرى.
في المقابل، تصدر تونس إلى روسيا عددا من المنتجات الفلاحية والغذائية، على غرار زيت الزيتون والتمور والمأكولات البحرية، وسط توقعات بأن تساهم اتفاقية التبادل الحر في رفع حجم هذه الصادرات بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة.
ويرى متابعون أن القطاع الزراعي والغذائي سيكون من أكبر المستفيدين من الاتفاق المحتمل، خاصة مع تنامي الطلب الروسي على المنتجات المتوسطية، وفي مقدمتها زيت الزيتون التونسي، مقابل تعزيز الإمدادات الروسية من الحبوب إلى السوق التونسية.
السياحة والصناعة والطاقة
ولا يقتصر التعاون بين الجانبين على التجارة الزراعية والغذائية، بل يشمل كذلك قطاعات الصناعة والطاقة والسياحة والخدمات.
فقد سجلت تونس خلال الفترة الأخيرة ارتفاعا في عدد السياح الروس، حيث أفاد الاتحاد الروسي لصناعة السياحة بأن الطلب على العطل الصيفية في تونس تضاعف ثلاث مرات مقارنة بسنة 2024، ما يعكس تنامي حضور الوجهة التونسية داخل السوق السياحية الروسية.
كما تراهن تونس على تطوير صادراتها الصناعية نحو الأسواق الأوراسية، خاصة في مجالات النسيج والملابس ومكونات السيارات والصناعات الإلكترونية والصناعات الغذائية.
وفي قطاع الطاقة، تعمل تونس على توسيع استثماراتها في مجالات النفط والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، وهو ما قد يفتح مجالات جديدة للتعاون مع الشركات الروسية.
أبعاد سياسية وجيوسياسية
ولا يخفي المسؤولون الروس أن التقارب مع تونس يحمل كذلك أبعادا سياسية واستراتيجية، في ظل التوجه الروسي المتزايد نحو تعزيز حضوره في العالم العربي وإفريقيا، بالتوازي مع التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي وإعادة تشكيل سلاسل التجارة الدولية.
وتعتبر موسكو أن اتفاقيات التبادل الحر تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لسياستها الاقتصادية الخارجية، حيث سبق للاتحاد الاقتصادي الأوراسي أن أبرم اتفاقيات مماثلة مع فيتنام وسنغافورة وصربيا وإيران والإمارات ومنغوليا وإندونيسيا، كما يواصل مفاوضاته مع عدد من الدول الأخرى، من بينها مصر والهند والأردن وجنوب إفريقيا وباكستان وزيمبابوي.
ويرى مراقبون أن تونس تحاول بدورها تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على فضاءات اقتصادية جديدة، في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية والضغوط التي تواجهها المالية العمومية، إضافة إلى التحولات المتسارعة في موازين القوى الاقتصادية العالمية.
وبين الرهانات الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، تبدو تونس مقبلة على مرحلة جديدة من علاقاتها مع روسيا والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الرسمية المرتقبة خلال الأشهر المقبلة.





