أعاد الخبير الاقتصادي معز الجودي فتح النقاش بشأن نظام الحصة الواحدة المعتمد في تونس خلال شهري جويلية وأوت، إضافة إلى شهر رمضان، معتبرا أن هذا النظام يمثل أحد العوامل التي تؤثر سلبا في نسق النشاط الاقتصادي والإداري، ومؤكدا أن استمرار العمل به لم يعد ينسجم مع متطلبات اقتصاد يحتاج إلى رفع الإنتاجية وتحسين مردودية العمل.
وقال الجودي، في تدوينة نشرها على صفحته، إن الحصة الواحدة الصيفية تكاد تكون استثناء تونسيا، معتبرا أن عددا من الدول التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، على غرار الجزائر والمغرب وعدة دول أوروبية وحتى الإمارات العربية المتحدة، تواصل العمل بالتوقيت العادي، في حين يقتصر تخفيف ساعات العمل فيها على قطاعات محددة أو خلال ظروف استثنائية، وليس كسياسة عامة تشمل الإدارة العمومية.
وأضاف أن العمل الفعلي داخل العديد من الإدارات لا يبدأ، في تقديره، إلا بعد مرور جزء مهم من الفترة الصباحية، لتنتهي ساعات العمل في منتصف النهار، وهو ما ينعكس، وفق رأيه، على جودة الخدمات العمومية وعلى نسق إنجاز الملفات والمعاملات الاقتصادية، معتبرا أن الاقتصاد التونسي يخسر سنويا جزءا من قدرته الإنتاجية بسبب الحصة الواحدة في الصيف، إلى جانب التوقيت الخاص بشهر رمضان.
جدل يتجدد كل صيف
ولم يكن موقف الجودي الأول من نوعه، إذ يتكرر الجدل في كل سنة مع بداية العمل بالحصة الواحدة أو عند انتهائها. ففي مقابل الانتقادات التي تعتبرها سببا في تراجع الإنتاجية، يدافع عدد من الموظفين والخبراء الاجتماعيين عن هذا النظام باعتباره أكثر ملاءمة للواقع المناخي والاجتماعي في تونس.
فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة واتساع تأثيرات التغيرات المناخية، برزت دعوات إلى تمديد العمل بالحصة الواحدة إلى شهري سبتمبر وأكتوبر، باعتبار أن فصل الصيف لم يعد ينتهي عمليا مع نهاية أوت، وأن موجات الحر أصبحت تمتد إلى الخريف.
كما يدعو فريق آخر إلى اعتماد نظام يوم عمل متواصل على مدار السنة، معتبرين أن ذلك يسمح بتحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، ويمنح الموظف وقتا أكبر للعناية بأسرته وأطفاله، فضلا عن الحد من التنقلات اليومية واستهلاك الوقود والازدحام المروري.
في المقابل، يرى أصحاب التوجه الاقتصادي أن تونس، التي تواجه تحديات تتعلق بالنمو والاستثمار والإنتاج، تحتاج إلى رفع نسق العمل وتحسين كفاءة الإدارة العمومية، لا إلى تقليص ساعات العمل، معتبرين أن أي إصلاح يجب أن يضع الإنتاجية في صدارة الأولويات.
هل الحصة الواحدة خصوصية تونسية؟
ورغم ما ذهب إليه معز الجودي، فإن التجارب الدولية تظهر صورة أكثر تعقيدا.
فالحصة الواحدة بالشكل الذي تعتمده تونس داخل الوظيفة العمومية تعد بالفعل من التجارب المحدودة على المستوى الدولي، غير أن عددا من الدول يعتمد صيغا مختلفة لتنظيم ساعات العمل خلال الصيف.
ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تعمل العديد من الشركات بنظام اليوم المتواصل خلال أشهر الصيف، بينما تعتمد البرتغال وبعض المؤسسات الأوروبية جداول عمل صيفية مختصرة، في حين تفرض دول الخليج إجراءات لحماية العمال خلال ساعات الذروة الحرارية دون تغيير شامل لمواعيد عمل الإدارات.
وبذلك، فإن الاختلاف لا يتعلق بوجود ساعات عمل صيفية فقط، وإنما بكون تونس تعتمد هذا النظام بقرار حكومي يشمل جزءا واسعا من الإدارة العمومية بصورة دورية كل عام.
نظام يعود إلى أكثر من قرن
وتشير معطيات تاريخية إلى أن العمل بالتوقيت الصيفي في تونس يعود إلى سنة 1921، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى مواكبته للتحولات التي عرفها الاقتصاد وسوق الشغل خلال العقود الأخيرة.
فقد تغيرت أنماط الإنتاج، وظهرت الخدمات الرقمية والعمل عن بعد، كما تغيرت طبيعة التنقل داخل المدن، في وقت أصبحت فيه التغيرات المناخية عاملا مؤثرا في تنظيم أوقات العمل.
ويرى مختصون أن هذه التحولات تستوجب إعادة تقييم شاملة للتوقيت الإداري بدل الاكتفاء بتجديد العمل بالنظام نفسه كل سنة.
استشارة وطنية لم تحسم الجدل
وفي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، أطلقت وزارة الوظيفة العمومية يوم 14 أكتوبر 2020 استشارة وطنية حول تقييم أثر التوقيت الإداري وخيارات تطويره.
وهدفت الاستشارة إلى جمع آراء المواطنين وأعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بشأن عدد ساعات العمل، وتوزيعها، وأيام العمل، والصيغ الممكنة لإصلاح التوقيت الإداري، بما يساعد على بلورة نموذج جديد يستجيب لمتطلبات الإدارة الحديثة.
غير أن نتائج تلك الاستشارة لم تفض إلى إصلاح شامل، ليظل الجدل قائما إلى اليوم.
دعوات برلمانية إلى الإصلاح
وكان عدد من أعضاء البرلمان قد دعوا بدورهم إلى مراجعة نظام التوقيت الإداري.
ومن بين هؤلاء النائب يوسف التومي، الذي اعتبر أن ساعات العمل الحالية تؤثر سلبا في مردودية الموظف وفي حياته الأسرية، مشيرا إلى أن الموظف يقضي معظم يومه بين مقر العمل والتنقل، بما يقلص الوقت المخصص للعائلة وللراحة.
وتستند هذه الدعوات إلى دراسات دولية تعتبر أن جودة ساعات العمل وتنظيمها قد تكون أكثر أهمية من عددها، وأن تحسين الإنتاجية لا يرتبط دائما بإطالة مدة الحضور داخل المكاتب.
بين الاقتصاد وجودة الحياة
ويكشف الجدل الدائر حول الحصة الواحدة أن القضية تجاوزت مجرد تحديد مواعيد فتح الإدارات وغلقها، لتصبح جزءا من نقاش أوسع حول نموذج العمل الذي تحتاجه تونس في المرحلة المقبلة.
فمن جهة، يدعو خبراء اقتصاد، من بينهم معز الجودي، إلى مراجعة النظام الحالي بما يضمن زيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات العمومية وتسريع نسق النشاط الاقتصادي.
ومن جهة أخرى، يرى مختصون في علم الاجتماع والتنمية البشرية أن أي إصلاح ينبغي أن يراعي أيضا التوازن بين العمل والحياة الخاصة، وتأثير التوقيت الإداري على الأسرة والصحة النفسية والازدحام المروري واستهلاك الطاقة.
وبين هذين التوجهين، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة إلى تقييم علمي مستقل يقيس بالأرقام أثر الحصة الواحدة على الإنتاجية، وجودة الخدمات، واستهلاك الطاقة، والتنقل، والاقتصاد الوطني، حتى يكون أي قرار مستقبلي مبنيا على معطيات موضوعية لا على الانطباعات أو المواقف المسبقة.



