قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، ابتدائياً وحضورياً، بالسجن مدة أربع سنوات في حق صاحب قناة تلفزية خاصة ز ل ووزير الشؤون الدينية السابق م .خ، مع تسليط خطية مالية على كل واحد منهما، .
وكان المتهمان يحاكمان وهما في حالة سراح، على خلفية قضية تتعلق بشبهات فساد مالي وإداري مرتبطة بصفقة أبرمتها وزارة الشؤون الدينية سنة 2017 مع شركة إعلانية مرتبطة بزهير لطيف، لتقديم ومضات وبرامج تحسيسية في إطار الحملة الوطنية لمقاومة الإرهاب.
وتعود جذور القضية إلى تحقيق نشرته منظمة «أنا يقظ» في أوت 2017 تحت عنوان «عندما تحارب وزارة الشؤون الدينية الإرهاب بالفساد»، قالت فيه إنها حصلت على نسخة من مشروع عقد صفقة بالتفاوض المباشر ممضى بين وزير الشؤون الدينية آنذاك محمد خليل وزهير لطيف بصفته الممثل القانوني لشركة «فيجن أند فيجن دوت كوم».وصاحب قناة تلفزة تي في
وبحسب التحقيق، بلغت قيمة الصفقة 650 ألف دينار، وكانت تتعلق بتكفل الشركة بتغطية الحملة الخاصة بمقاومة الإرهاب المعروفة باسم «غدوة خير»، وتوفير التجهيزات الضرورية لتغطيتها بالمعدات السمعية والبصرية، إلى جانب تخصيص فريق عمل صحفي وإنتاج مجموعة من البرامج الحوارية والوثائقية والإعلانات المتعلقة بظاهرة الإرهاب، فضلاً عن إنتاج ومضات تحسيسية.
وأشارت المنظمة، استناداً إلى نسخة العقد التي قالت إنها تحصلت عليها، إلى أن الوزارة تحملت ضمن الصفقة تكاليف تجهيزات سمعية وبصرية بقيمة 118 ألف دينار، إضافة إلى 36 ألف دينار لفريق صحفي، أي ما مجموعه 154 ألف دينار، رغم أن الشركة المتعاقدة كان يفترض، وفق قراءة المنظمة لبنود الصفقة، أن توفر الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية لتنفيذ المهام الموكولة إليها.
كما اعتبرت «أنا يقظ» أن اللجوء إلى التفاوض المباشر بدلاً من الإشهار وطلب العروض والمنافسة بين الشركات يطرح إشكالاً قانونياً، وأشارت في تحقيقها إلى الأمر عدد 1039 لسنة 2014 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية، ولا سيما الفصل 49 المتعلق بشروط اللجوء إلى التفاوض المباشر.
وفي السياق نفسه، قالت المنظمة إنها عثرت على وثيقة مؤرخة في 25 جانفي 2017 تفيد، بحسبها، بلجوء وزارة الشؤون الدينية إلى التفاوض المباشر في صفقة أخرى بقيمة 143 ألف دينار لتأمين تغطية فنية للاحتفالية بمرور 1450 سنة على نزول القرآن في ولاية القيروان.
وأضافت «أنا يقظ» أن الوزارة استخدمت مبدأ المنافسة في صفقات أخرى أقل قيمة، من بينها كراء حافلات وطباعة دعوات، وهو ما اعتبرته المنظمة آنذاك من المؤشرات التي تستوجب التثبت في طريقة إسناد الصفقات.
وأحالت المنظمة في تحقيقها إلى الفصل 96 من المجلة الجزائية، الذي يتناول استغلال الموظف العمومي أو شبهه لصفته للحصول على فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة، أو مخالفة التراتيب المنطبقة على العمليات لتحقيق تلك الغاية.
وقالت «أنا يقظ» إنها راسلت وزارة الشؤون الدينية أكثر من مرة للاستفسار عن مآل الملف والإجراءات المتخذة، وإنها لم تحصل، وفق روايتها، على إجابة بشأن ذلك.
محمد خليل يرد
بعد نشر التحقيق، رد وزير الشؤون الدينية السابق محمد خليل على المنظمة، وقال إن التحقيق لم يستمع إلى جميع الأطراف ولم يقدم الوقائع، بحسب رأيه، في سياقها الكامل.
وأكد خليل أن العقد المتعلق بحملة مقاومة الإرهاب أُبرم بالفعل بالتفاوض المباشر، لكنه نفى أن يكون مجرد اللجوء إلى هذا الإجراء دليلاً على الفساد، وقال إن هناك «ظروفاً وملابسات» مرتبطة بالصفقة لم يكشف عنها، معتبراً أن المنظمة لم تطلع على كامل المعطيات.
كما قال إن لجنة الرقابة التابعة لرئاسة الحكومة قامت بالتدقيق في الموضوع، ودعا المنظمة إلى الاتصال بها للاطلاع على تقريرها النهائي ومعرفة ما إذا كانت قد خلصت إلى وجود فساد من عدمه.
وفي رده، انتقد خليل نشر نسخة من العقد، معتبراً أن الوثيقة مرتبطة بوسائل التصدي للإرهاب وبالأمن العام، وقال إنه سيتجه إلى القضاء بشأن نشرها والجهة التي زودت المنظمة بها.
من جهتها، ردت «أنا يقظ» بأن نشر التحقيق سبقته، وفق قولها، محاولات للاتصال بوزارة الشؤون الدينية عبر الهاتف ثم الفاكس للحصول على توضيحات، وأنها اجتمعت أيضاً مع ثلاثة ممثلين عن الوزارة حول الموضوع. كما قالت إن تركيزها على الوزارة وليس الوزير السابق شخصياً مرده إلى اعتبارها أن المسألة تتعلق بإدارة عمومية واستمراريتها وليس بشخص الوزير.
وبعد نحو تسع سنوات من كشف المنظمة عن الصفقة والجدل الذي رافقها، يأتي الحكم القضائي الصادر اليوم بالسجن أربع سنوات في حق زهير لطيف ومحمد خليل، في انتظار ما ستؤول إليه بقية مراحل التقاضي.
