يتجه المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية إلى إنشاء نافذة متخصصة في التمويل الإسلامي، في خطوة يمكن أن تفتح مساراً جديداً أمام تمويل التجارة والاستثمار في بلدان المغرب العربي، وفي مقدمتها تونس.
وكشف إشعار دولي نشر في 16 سبتمبر 2026 عن مشروع إنشاء هذه النافذة داخل المصرف، وهو مشروع ممول بمنحة للمساعدة الفنية من معهد البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 172 ألفاً و794 ديناراً إسلامياً، أي ما يعادل نحو 235 ألف دولار. وتخصص المنحة أساساً للاستعانة بخبرات استشارية لإعداد الإطار القانوني والتنظيمي والتشغيلي للنافذة.
ويأتي ذلك بعد توقيع معهد البنك الإسلامي للتنمية والمصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية اتفاق منحة في 12 أوت 2026 في جدة، بهدف مساعدة المصرف على وضع المتطلبات المؤسسية والتنظيمية والتشغيلية اللازمة لإنشاء النافذة وتشغيلها.
ليست مجرد فكرة.. بل مشروع بدأ مساره التنفيذي
وتشير وثائق المشروع إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد إعلان عن نية إدخال الخدمات المالية الإسلامية، بل بدأت بالفعل عملية إعداد البنية اللازمة لذلك.
وتشمل المساعدة الفنية وضع وتحديث السياسات الداخلية المنظمة للنافذة، وتحديد طريقة فصل أنشطتها وحساباتها عن الأنشطة المصرفية التقليدية، إلى جانب وضع قواعد إدارة المخاطر والسيولة والرقابة الداخلية.
كما يتضمن المشروع إعداد الإطار الخاص بالحوكمة الشرعية، بما في ذلك تحديد تركيبة لجنة الشريعة واختصاصاتها وآليات مراجعة المنتجات والعمليات المصرفية.
ويستهدف المشروع أيضاً تطوير الموارد البشرية وتدريب مسؤولي الإدارة والمخاطر والامتثال والشؤون القانونية وتكنولوجيا المعلومات والموظفين التجاريين على آليات التمويل الإسلامي.
مرابحة وإجارة ومشاركة.. ما المنتجات المنتظرة؟
من أكثر الجوانب أهمية في المشروع أن الوثيقة الدولية لا تكتفي بالحديث العام عن «التمويل الإسلامي»، وإنما تحدد مجموعة من الأدوات والمنتجات التي يمكن تطويرها داخل النافذة.
ومن بينها المرابحة، والإجارة، والوكالة، والمضاربة، والمشاركة، مع إعداد العقود والنماذج والإجراءات الخاصة بكل منتج.
وتشمل الخطة أيضاً تطوير أدوات للتمويل المرتبط بالتجارة والاستثمار وإدارة السيولة، إضافة إلى وضع سياسات للضمانات المتوافقة مع مبادئ التمويل الإسلامي.
وبذلك، فإن الهدف المعلن هو تمكين المصرف المغاربي من تقديم خدمات مالية متوافقة مع الشريعة في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية، وليس الاقتصار على منتج مصرفي واحد.
تونس في قلب المشروع
وتحمل العملية أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، ليس فقط لأن إشعار المشروع يصنفه ضمن المشاريع المتعلقة بتونس، وإنما أيضاً لأن المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية مؤسسة مالية إقليمية تخدم البلدان المغاربية الخمسة: تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا.
ويتمثل دور المصرف في دعم الاستثمار والتجارة والتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة وتمويل الأنشطة العابرة للحدود. وبالتالي فإن إدخال أدوات التمويل الإسلامي إلى مؤسسة ذات طبيعة مغاربية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز السوق التونسية وحدها.
ماذا يمكن أن يعني ذلك للمؤسسات التونسية؟
بالنسبة إلى الشركات التونسية العاملة في التجارة الخارجية أو الاستثمار في الأسواق المغاربية، قد توفر النافذة مستقبلاً أدوات تمويل إضافية، لكن المنحة الحالية لا تعني أن أموالاً بقيمة 235 ألف دولار ستوضع مباشرة تحت تصرف الشركات التونسية.
فالتمويل المعلن هو منحة للمساعدة الفنية، والغرض منها إعداد المصرف من الناحية القانونية والتنظيمية والتشغيلية وتطوير المنتجات والموارد البشرية.
وتنص وثائق المشروع على إعداد خارطة طريق تدريجية لإطلاق النافذة، تبدأ بمراحل تجريبية ثم التوسع، مع تحديد نطاق المنتجات وقنوات تقديم الخدمات والتغطية الجغرافية ومؤشرات الأداء.
وهذا يعني أن الأثر المباشر على المؤسسات والشركات سيظهر لاحقاً، بعد الانتهاء من إعداد النافذة واعتماد منتجاتها ودخولها مرحلة التشغيل الفعلي.
خطوة نحو سوق مالية مغاربية أكثر تنوعاً
ويربط معهد البنك الإسلامي للتنمية المشروع بتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة ودعم القطاع الخاص وتعزيز الشمول المالي في المنطقة.
كما يتضمن المشروع استكشاف حلول مبتكرة، من بينها استخدام التكنولوجيا المالية وبعض الممارسات المرتبطة بالتمويل التجاري، إلى جانب تنظيم ندوات وبرامج لتطوير القدرات.
ومن المنتظر أن يبدأ المصرف خلال المرحلة المقبلة إجراءات اختيار مستشارين متخصصين لإعداد هذه المنظومة، إذ حدد الإشعار الدولي 16 نوفمبر 2026 موعداً نهائياً لتقديم الاهتمام بالنسبة إلى الخدمات الاستشارية المرتبطة بالمشروع.
وبالتالي، فإن التطور الجديد لا يتمثل في منح المصرف المغاربي تمويلاً ضخماً ليوزعه على المؤسسات، وإنما في تمويل عملية بناء نافذة مصرفية إسلامية كاملة داخل مؤسسة مالية مغاربية، من الإطار القانوني والرقابي إلى المنتجات والعقود والحوكمة والموارد البشرية.
