في مشهد سياسي يجمع بين التناقض الصارخ والمفارقة الساخرة، وجدت الحكومة الإيطالية نفسها في موقف فريد؛ حيث يخرج أقطاب من داخل التحالف الحاكم للاحتجاج على قرارات وسياسات وقعت عليها حكومتهم ذاتها، وذلك على خلفية وصول ثمانية وعشرين سائق حافلة من تونس للعمل في مدينة بريشيا.
وتعود تفاصيل الأزمة إلى تفعيل « خطة ماتي » والشراكة المبرمة بين حكومة رئيسة الوزراء ومجموعة من الدول، والتي تقضي باستقدام آلاف العمال لسد العجز الحاد في قطاع النقل العام الإيطالي، بعد عزوف الشباب المحلي عن هذه المهنة نتيجة تدني الأجور والمزايا.
وجاءت شرارة الاحتجاج من ممثلي حزب « الرابطة » اليميني، الشريك الأساسي في الائتلاف الحاكم، الذين انتقدوا بشدة استخدام أموال دافعي الضرائب والمدن المحلية لتمويل وإعداد مساكن لهؤلاء السائقين الوافدين، معتبرين الخطوة مجحفة بحق المواطنين المحليين.
ومع ذلك، فإن هذا الاحتجاج فجّر موجة من التهكم والسخرية في الأوساط السياسية والإعلامية الإيطالية، بعدما تبينت أبعاد المفارقة التي تلخصت في ثلاث نقاط أساسية:
- الحكومة تحتج ضد نفسها: الحزب الذي يقود الاحتجاجات في الشارع والبلديات هو نفسه شريك رسمي في الحكومة المركزية التي خططت وصادقت ووقعت على هذه الاتفاقية القانونية مع الدولة التونسية.
- المساكن الخاضعة للاحتجاج: تبين أن الشقق التي خُصصت لإيواء السائقين تتبع مباشرة لوكالة الإسكان العامة الإقليمية، وهي جهة تقع تحت الإشراف المباشر والسيطرة السياسية لقيادي بارز ينتمي إلى حزب « الرابطة » المحتج ذاته.
- حقيقة التمويل: أكدت التقارير أن شركة النقل المحلية هي من تولت ترميم هذه المباني المتروكة والتي كانت مصنفة كعقارات غير صالحة للسكن، وأن العمال الوافدين سيدفعون قيمتها الإيجارية من رواتبهم ولن يقطنوها بالمجان.
ويرى مراقبون وممثلون عن قوى عمالية أن هذا التخبط يظهر انفصاماً واضحاً بين الخطاب السياسي الموجه للقواعد الانتخابية لليمين، والذي يرفض ملفات الوافدين، وبين الواقع الاقتصادي والخدمي الملحّ الذي يفرض الاستعانة بالعمالة الخارجية لتسيير المرافق الحيوية في البلاد.
