في عملية أمنية منسقة انطلقت في الساعات الأولى من صباح اليوم الأربعاء 16 سبتمبر 2026، نجحت فرقة الشرطة القضائية الإيطالية بمدينة بياتشنزا، مدعومة بقوات أمنية من مقاطعتي لودي وبافيا، في تفكيك واحدة من أعقد الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، والتي يديرها مواطنون تونسيون لتجارة الكوكايين بأساليب تكنولوجية ولوجستية غير مسبوقة.
من تونس إلى بياتشنزا.. مركز اتصال لطلب الكوكايين عبر الخرائط الإلكترونية
أماطت التحقيقات القضائية، التي انطلقت منذ سنة 2025 بناءً على بلاغات مواطنين عبر منظومة أمنية للإبلاغ، اللثام عن هيكلية غريبة لإدارة ترويج المخدرات. ولم تكن إدارة العمليات تتم من داخل الأراضي الإيطالية، بل عبر مركز اتصال نشط ومستقر في تونس.
وكان الزبائن الإيطاليون يتصلون برقم هاتف موحد يتلقى الطلبات من تونس، ليتولى القائمون على المركز في تونس تحديد المواقع بدقة وإرسال إحداثيات الزبائن عبر تطبيق للخرائط الإلكترونية إلى المروجين الميدانيين في إيطاليا لتسليم البضاعة فوراً.
قناع المسلسل الشهير.. الختم السري للمروجين
في مفاجأة استقصائية كشفت عنها تقارير الأمن الإيطالي في الساعات الأخيرة، تبين أن الشبكة استخدمت تكتيكاً بصرياً مستوحى من الدراما العالمية؛ حيث كانت الحسابات الترويجية المشفرة للشبكة على منصات التواصل الاجتماعي تضع صورة قناع المسلسل الشهير كازا دي بابال «دار من ورق» كأيقونة رسمية وتجارية لها. وكان هذا القناع بمثابة الرمز السري والختم الذي يفهم منه المدمنون في شمال إيطاليا أن شحنة جديدة من الكوكايين عالي الجودة قد وصلت وتمت تصفيتها وتجهيزها للتوزيع.
تكتيك الجرعات الصغيرة والدراجات الكهربائية لشل حركة الشرطة
لتفادي المراقبة اللصيقة لرجال الأمن، اعتمد المروجون التونسيون على تكتيك التوصيل الأخير عبر الدراجات والدراجات الكهربائية الصغيرة للتنقل بسرعة ومرونة فائقة داخل الأزقة الضيقة والقديمة لمقاطعات بياتشنزا ولودي وبافيا.
وكشف المحققون أن المروجين كانوا يتحركون بجرعات صغيرة جداً في الجولة الواحدة، لسهولة التخلص منها أو ابتلاعها في حال مباغتتهم من قبل دوريات الشرطة، مما يجعل ملاحقتهم بسيارات الأمن التقليدية أمراً غاية في الصعوبة.
بيع الوثائق وابتزاز المدمنات.. 12 ألف يورو للزواج الصوري
لم يتوقف نشاط الشبكة عند ترويج السموم، بل امتد إلى التجارة الموازية بالبشر والوثائق لضمان الغطاء القانوني لعناصرها؛ حيث كشفت المحاضر أن التنظيم كان يستهدف تجنيد نساء إيطاليات يعانين من إدمان حاد على المخدرات.
وكان أفراد الشبكة يستغلون حاجة هؤلاء النساء للمال والمخدرات، لإغرائهن أو ابتزازهن لتوقيع عقود زيجات صورية بهدف تمكين المروجين التونسيين من الحصول على تصاريح إقامة قانونية تمنع ترحيلهم. وكان التنظيم يوفر الزوج والشهود لإتمام العملية وتأمين الأوراق الرسمية مقابل مبالغ ضخمة تصل إلى 12 ألف يورو للزيجة الواحدة.
العنف الدموي وكواليس سقوط الزعيم في ميناء جنوة
أظهرت التسجيلات والاعتراضات الهاتفية للشرطة الإيطالية أن التنظيم كان يدار بيد من حديد؛ حيث لم يتردد قادته في استخدام العنف المفرط لحماية مناطق نفوذهم ضد المنافسين. وتضمنت التحقيقات واقعة طعن وتشويه وجه مروج منافس، فضلاً عن تعرض عضو سابق في المجموعة للضرب المبرح لمحاولته العمل لحسابه الخاص.
أما رأس الحربة وزعيم هذه الشبكة، فقد سقط في كمين محكم أعدته الشرطة القضائية في ميناء جنوة في ديسمبر 2025، عندما شعر أن الخناق بدأ يضيق عليه؛ حيث تم ضبطه وهو يستعد لركوب سفينة متجهة إلى تونس لتصفية نشاطه هناك وإدارة مركز الاتصال عن بُعد، وصودرت بحوزته سيارة فاخرة ذات محرك كبير كان يقودها بدون رخصة قيادة.
الحصيلة: 9 قيادات خلف القضبان و36 مشتبهاً به تحت المجهر
أفضت العملية الأمنية الكبرى اليوم إلى تنفيذ أمر قضائي بالاحتجاز الاحتياطي في السجن بحق 9 من أبرز قيادات التنظيم، في حين لا تزال الملاحقات القضائية مستمرة في ملفات منفصلة بحق 12 مروجاً تم ضبطهم سابقاً متلبسين، ليرتفع العدد الإجمالي للمشمولين بالتحقيق في هذه القضية العابرة للحدود إلى 36 شخصاً، في انتظار ما ستسفر عنه الأحكام القضائية النهائية.
