توفي اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 بالمستشفى العسكري بالعاصمة العميد بالحرس الوطني حاتم بن مصباح، أحد الضباط التونسيين الذين حملوا التجربة الأمنية التونسية إلى بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وارتبط اسمه على وجه الخصوص بمهمة قيادية في جمهورية إفريقيا الوسطى وبحادثة أمنية كادت تتحول إلى أزمة كبرى في العاصمة بانغي.
رحل بن مصباح بعد مسيرة مهنية لا تحظى، رغم أهميتها، بالكثير من التوثيق الإعلامي المتاح للعموم، لكن إحدى أبرز محطاتها بقيت محفوظة في سجلات وزارة الداخلية التونسية، التي وصفته سنة 2016 بأنه العميد بالحرس الوطني والقائد الأمني الأممي المشترك في بانغي، وأشارت إلى ترشيحه لجائزة أممية للشجاعة تقديراً لطريقة إدارته لأزمة داخل أحد سجون إفريقيا الوسطى.
ضابط تونسي في قلب مهمة أممية شديدة الحساسية
كان حاتم بن مصباح واحداً من الإطارات الأمنية التونسية التي اضطلعت بمهام قيادية ضمن عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
وفي أكتوبر 2016، أوردت وزارة الداخلية التونسية أن 211 إطاراً أمنياً تونسياً كانوا يشاركون في بعثات حفظ السلام الأممية، بينهم ضباط وإطارات يشغلون مواقع قيادية في منظومة الأمم المتحدة.
وضمت قائمة الضباط التي نشرتها الوزارة آنذاك العميد بالحرس الوطني حاتم بن مصباح، إلى جانب عدد من كبار الضباط التونسيين.
لكن الوزارة لم تكتف بذكر اسمه ضمن المشاركين، بل خصته بالإشارة إلى مهمة محددة ذات طابع استثنائي: فقد كان القائد الأمني الأممي المشترك في بانغي، والمشرف على الوحدات الأممية المشتركة في بعثة حفظ السلام بإفريقيا الوسطى.
وهذا الموقع وضع ضابطاً تونسياً في مواجهة واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في القارة الإفريقية، في بلد كان يعيش مرحلة شديدة الاضطراب بعد سنوات من النزاع المسلح والانقسامات الداخلية.
يوم 15 أفريل 2016.. عندما كان السجن على وشك أن يتحول إلى أزمة في العاصمة
أبرز محطة في مسيرة حاتم بن مصباح ارتبطت بما حدث داخل أحد سجون بانغي يوم 15 أفريل 2016.
وفق الرواية التي نقلتها وسائل إعلام تونسية آنذاك، وجد نحو 270 سجيناً، بينهم عدد من أخطر المساجين، أنفسهم في وضع كان ينذر بمحاولة فرار جماعية واسعة.
وكانت المخاوف لا تتعلق بمجرد فرار سجناء من مؤسسة سجنية، وإنما باحتمال أن تتحول عملية الفرار إلى اضطراب أمني واسع داخل العاصمة بانغي.
في تلك اللحظة كان حاتم بن مصباح، بصفته القائد الأمني الأممي المشرف على الوحدات المشتركة، في موقع المسؤولية.
واللافت في الرواية التي نشرتها المصادر التونسية أن الحل لم يكن عبر إطلاق النار أو اللجوء إلى القوة.
فقد دخل الضابط التونسي في مفاوضات مباشرة مع السجناء وتمكن من إقناعهم بالتراجع عن محاولة الفرار.
لم تستخدم الأسلحة في العملية، وفق الرواية المنشورة.
وهذه الجزئية بالذات هي التي جعلت الحادثة تبرز في مسيرته المهنية، لأنها أظهرت جانباً مختلفاً من العمل الأمني: إدارة أزمة جماعية في بيئة شديدة التوتر بالاتصال والتفاوض والقدرة على السيطرة على الموقف، بدلاً من تحويله إلى مواجهة مسلحة.
إشادة من الأمم المتحدة وترشيح لجائزة الشجاعة
بعد الحادثة، أفادت المصادر التونسية بأن الأمم المتحدة وجهت إلى بن مصباح رسالة شكر رسمية تقديراً لجهوده ولطريقة إدارته للأزمة.
كما أعلنت وزارة الداخلية التونسية في أكتوبر 2016 أن العميد حاتم بن مصباح رُشّح لإسناده الجائزة الأممية للشجاعة، المعروفة باسم «جائزة الشجاعة»، تقديراً لحرفيته في إدارة خلية الأزمة أثناء أحداث سجن إفريقيا الوسطى يوم 15 أفريل 2016، ولمساهمته في تحرير رهائن وضبط الأمن.
وتكتسب هذه الإشارة الرسمية أهمية خاصة لأنها لم تأت من مصدر إعلامي فقط، وإنما وردت في مادة منشورة على الموقع الرسمي لوزارة الداخلية التونسية حول مشاركة الوحدات الأمنية التونسية في بعثات حفظ السلام.
خلفية أمنية صعبة
لم تكن بانغي، عندما تولى بن مصباح مهمته الأممية، مدينة مستقرة بالمعنى الأمني.
وتظهر تقارير الأمم المتحدة عن الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى خلال تلك الفترة حجم التحديات التي كانت تواجهها بعثة الأمم المتحدة.
ففي خريف 2015، شهدت بانغي تصعيداً كبيراً للعنف، أسفر وفق تقرير أممي عن مقتل 79 مدنياً وإصابة 512 شخصاً، كما تعرضت مقار تابعة للأمم المتحدة وموظفون أمميون لهجمات.
وفي 28 سبتمبر 2015، كان 677 محتجزاً قد فروا من سجن نغاراغبا في بانغي، وفق الرقم الذي أوردته السلطات القضائية في جمهورية إفريقيا الوسطى، بينما أشارت الأمم المتحدة إلى وجود أرقام مختلفة بحسب مصادرها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حساسية المهمة التي اضطلع بها الضابط التونسي في بانغي: فالسجون نفسها كانت جزءاً من المشهد الأمني الهش، وأي عملية فرار جماعي كان يمكن أن تكون لها انعكاسات تتجاوز أسوار السجن.
مدرسة أخرى للعمل الأمني
اللافت في قصة بن مصباح أن أبرز إنجاز ارتبط باسمه لم يكن عملية عسكرية أو مواجهة مسلحة، وإنما منع المواجهة أصلاً.
وهذا الجانب يستحق التوقف عنده.
فالعمل في بعثات حفظ السلام لا يقوم فقط على استخدام القوة عند الضرورة، وإنما يعتمد كذلك على حماية المدنيين، وإدارة الأزمات، والتفاوض، وضبط النفس، والعمل في بيئات متعددة الجنسيات والثقافات.
وفي حادثة بانغي، برز هذا الجانب تحديداً، إذ انتهت الأزمة، وفق الرواية التي نقلتها المصادر التونسية، من دون استخدام السلاح.
وقد نقلت صحيفة «الصباح نيوز» عن بن مصباح نفسه، في حديث نشر في أفريل 2016، أنه تمكن من إقناع السجناء بالتخلي عن محاولة الفرار الجماعي بينما كانوا في ساحة السجن. وأعادت وسائل إعلام أخرى نقل الرواية نفسها.
وجه تونسي في قوات حفظ السلام
كان وجود حاتم بن مصباح في موقع قيادي أممي جزءاً من مساهمة تونسية أوسع في عمليات حفظ السلام.
وفي أكتوبر 2016، قالت وزارة الداخلية إن تونس كانت تشارك بـ211 إطاراً أمنياً في بعثات الأمم المتحدة، موزعين على عدة بعثات في إفريقيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى، من بينها دارفور ومالي والكوت ديفوار وإفريقيا الوسطى وهايتي والكونغو الديمقراطية.
وكان عدد من الضباط التونسيين يشغلون في ذلك الوقت مواقع عليا ضمن منظومة الأمم المتحدة.
لكن اسم بن مصباح ارتبط بحادثة محددة أصبحت لاحقاً أبرز ما يُستعاد عند الحديث عن المشاركة الأمنية التونسية في إفريقيا الوسطى.
مسيرة بقيت بعيدة عن الأضواء
على الرغم من أهمية المناصب التي شغلها، فإن المعلومات المنشورة للعموم حول حياة العميد حاتم بن مصباح ومسيرته المبكرة تظل محدودة.
وتؤكد المصادر الرسمية المتاحة أنه كان من ضباط الحرس الوطني التونسي برتبة عميد، وأنه شغل موقعاً قيادياً ضمن بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى.
أما التفاصيل الدقيقة المتعلقة بتاريخ ميلاده، ومراحل تعليمه وتكوينه، ومختلف المسؤوليات التي تقلدها داخل الحرس الوطني، ومواعيد ترقياته والمناصب التي شغلها قبل مهمته الأممية وبعدها، فلا تتوفر لها في المصادر المفتوحة التي أمكن التثبت منها حتى الآن وثائق رسمية كافية تسمح بنشرها بثقة.
وهذا أمر مهم في كتابة سيرة رجل أمني، لأن الرغبة في تقديم سيرة كاملة لا ينبغي أن تدفع إلى ملء الفراغات بمعلومات غير موثقة.
