لم تكن مشاهد الرفوف الفارغة من قوارير المياه في عدد من المتاجر التونسية خلال هذا الصيف حدثاً معزولاً تماماً، ولا ظاهرة يمكن تفسيرها فقط بضعف التزويد أو اضطراب الإنتاج أو ما يُوصف أحياناً بالمضاربة والاحتكار أو تآمر.
فالصيف الاستثنائي الذي عرفته تونس عرفته أوروبا أيضاً، وبدرجات حرارة قياسية وضغط غير مسبوق على موارد المياه وشبكات التوزيع، بل إن بعض الدول الأوروبية شهدت بدورها ارتفاعاً حاداً في الطلب على المياه المعلبة، وصل في بعض المناطق إلى نفاد مؤقت لبعض المنتجات من رفوف المتاجر.
السؤال إذن يستحق أن يُطرح بصراحة: هل مشكلة المياه المعلبة في تونس وحدها؟ أم أننا أمام ظاهرة أوسع فرضتها صائفة استثنائية ضربت ضفتي المتوسط؟
في فرنسا… قوارير الماء تختفي من الرفوف
في فرنسا، التي شهدت موجات حر متتالية هذا الصيف، ارتفعت مبيعات قوارير المياه بشكل لافت منذ نهاية شهر ماي.
صحيفة «لو باريزيان» نقلت عن مجموعة «كارفور» أن مبيعات المياه، الغازية وغير الغازية، ارتفعت بنسبة 70 بالمائة خلال يومين فقط مع موجة الحر في نهاية ماي، بينما شهدت بعض المتاجر حالات نفاد مؤقت للمخزون بسبب الارتفاع المفاجئ في الطلب.
ولم تكن تلك سوى البداية.
مع استمرار موجات الحر خلال جوان، أكدت الصحافة الفرنسية أن المياه والمثلجات ومعدات التبريد أصبحت من أكثر المنتجات طلباً، وأن بعض المتاجر شهدت انقطاعات مؤقتة في المخزون.
بمعنى آخر، صورة المستهلك الذي يدخل المتجر بحثاً عن قارورة ماء ولا يجدها لم تكن تونسية بامتياز.
لكن الأزمة الأوروبية كانت أكبر من القارورة
المفارقة أن أوروبا لم تواجه فقط مشكلة في توفير المياه المعلبة، وإنما واجهت مشكلة أشد خطورة: الماء نفسه بدأ يصبح أكثر ندرة.
ففي فرنسا، أدت موجات الحر والجفاف المتتالية إلى فرض قيود على استعمال المياه في عشرات المقاطعات، قبل أن تتسع الأزمة بشكل كبير خلال الصيف. وفي أوت، أصبحت قرابة 70 بالمائة من الأراضي الفرنسية خاضعة لشكل من أشكال القيود على استعمال المياه، وفق السلطات الفرنسية.
وفي منتصف أوت، كان 92 إقليماً فرنسياً يطبق إجراءات للحد من استهلاك المياه، بينما عانى أكثر من 40 ألف شخص من انقطاعات في المياه، واضطرت بعض المناطق إلى التفكير في نقل مياه الشرب بالصهاريج.
هنا تتغير زاوية النظر تماماً.
القضية لم تعد مجرد «قارورة ماء غير موجودة في المتجر»، وإنما أزمة مناخية تضغط في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية، وشبكات التوزيع، والاستهلاك، والزراعة، والطاقة وحتى الصناعة.
إيطاليا… بحيرات وأنهار تحت الضغط
في إيطاليا، لم تكن الصورة أفضل.
موجات الحر المتتالية دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، فيما تراجعت الموارد المائية في مناطق عدة من البلاد.
ووصل الضغط إلى بحيرة ماغيوري، بينما اضطرت سويسرا إلى زيادة إطلاق المياه من بحيرة لوغانو لمساعدة المناطق الإيطالية المتضررة، في وقت أصبحت فيه مناطق مثل بييمونتي ولومبارديا وفينيتو وماركي تواجه نقصاً متزايداً في المياه.
ولم يكن الأمر مجرد توقعات مناخية. فقد حذرت دراسات وتحليلات إيطالية خلال الصيف من عودة شبح أزمة المياه التي عرفتها البلاد سابقاً، مع تراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة.
وفي أوت، وضعت إيطاليا جميع مدنها الكبرى تقريباً تحت أعلى درجات الإنذار من موجة الحر، في مؤشر على حجم الضغط الذي فرضته درجات الحرارة على الحياة اليومية والخدمات.
بريطانيا أيضاً… الماء لم يعد مضموناً
قد يبدو الأمر أكثر غرابة عندما يتعلق ببريطانيا، البلد الذي ارتبط في المخيال العام بالأمطار أكثر من الجفاف.
لكن صيف 2026 حمل صورة مختلفة.
شركة ساوث إيست ووتر البريطانية دعت سكان مناطق واسعة إلى الاقتصار على استعمال المياه للضروريات، بعدما قفز الطلب خلال موجة الحر إلى 644 مليون لتر في يوم واحد، مقابل معدل يومي بلغ 588 مليون لتر في الفترة نفسها عادة، أي بزيادة تقارب 56 مليون لتر.
وفي أوت، أصبحت أزمة المياه في بريطانيا أكثر وضوحاً، مع إعلان مناطق واسعة حالة جفاف وفرض قيود على استعمال المياه على ملايين الأشخاص.
بل إن صحيفة «فايننشال تايمز» نشرت هذا الصيف شهادة من منطقة في كنت عاش سكانها أشهراً مع انقطاعات متكررة للمياه، واضطر بعضهم إلى الاعتماد على المياه المعلبة لتلبية احتياجات أساسية.
أوروبا كلها تحت ضغط الماء
الصورة لا تتوقف عند فرنسا وإيطاليا وبريطانيا.
تقارير أوروبية خلال أوت تحدثت عن بلوغ مساحة الأراضي الأوروبية المتضررة من الجفاف حوالي 38 بالمائة، وسط مخاوف متزايدة من ندرة المياه وسوء استغلال الموارد وتراجع مستويات الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية.
كما أشارت رويترز إلى أن 204 ملايين شخص في أوروبا الغربية كانوا معرضين في 11 أوت لدرجات حرارة تزيد بأكثر من خمس درجات عن المعدلات العادية، فيما كانت مناطق عديدة تواجه جفافاً ونقصاً حاداً في المياه.
وهذا يعني أن ما حدث في تونس لا يمكن عزله عن السياق المتوسطي والأوروبي الأوسع.
ولكن… هل هذا يعفي تونس؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
لا.
كون فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا عرفت ضغطاً كبيراً على المياه لا يعني أن كل ما حدث في تونس طبيعي أو لا يستوجب المساءلة.
هناك فرق بين ظاهرة عالمية أو متوسطية تضاعف الطلب على المياه، وبين قدرة كل دولة على الاستعداد لهذه الصدمات وإدارة مخزونها وتوزيع الإنتاج ومراقبة مسالك التزويد ومنع المضاربة.
وفي تونس تحديداً، استمرت أزمة المياه المعلبة منذ النصف الثاني من جويلية، وكانت الرفوف فارغة في عدد من المساحات التجارية ونقاط البيع.
وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» تناولت الأزمة التونسية في تقرير نشرته في 20 أوت، مشيرة إلى أن موجة الحر وارتفاع الطلب ونقص المخزونات، إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء التي أثرت على بعض خطوط الإنتاج، ساهمت في الأزمة. كما نقلت عن مهنيي القطاع أن وحدات الإنتاج الـ31 تعمل بأقصى طاقتها.
وهنا تكمن المفارقة.
الطلب ارتفع لأن الناس عطشى… والإنتاج حاول اللحاق بالطلب… لكن الطاقة الإنتاجية وسلاسل التوزيع لم تكن دائماً قادرة على امتصاص الصدمة.
