الرئيسيةآخر الأخبارعملاق هندي يستعد لدخول سوق المشروبات التونسية

عملاق هندي يستعد لدخول سوق المشروبات التونسية

تستعد السوق التونسية للمشروبات لاستقبال لاعب دولي جديد، في خطوة يمكن أن تعيد رسم خريطة المنافسة في قطاع تهيمن عليه منذ سنوات مؤسسات تونسية كبرى، وفي مقدمتها مجموعة شركة صنع المشروبات بتونس، التي لا تملك حضوراً قوياً في المشروبات الغازية والمياه فحسب، بل تتمتع أيضاً بموقع مهيمن في سوق الجعة.

ونقل موقع «بيزنيس ستاندرد» الهندي أن شركة فارون للمشروبات، إحدى أكبر شركات تعبئة وتوزيع مشروبات بيبسيكو خارج الولايات المتحدة، تستعد لإنشاء شركة مشتركة في تونس مع شريك تونسي، برأسمال قدره تسعة ملايين دينار.

ووفق المعطيات المنشورة، ستملك الشركة الهندية خمسة وسبعين بالمائة من الشركة الجديدة، مقابل خمسة وعشرين بالمائة للشريك التونسي «بيفاندا»، على أن تنشط الشركة في إنتاج وتوزيع المشروبات الغازية والعصائر والمياه والمنتجات اللبنية.

لكن أهمية الخبر لا تكمن فقط في قيمة الاستثمار الأولية، وإنما في هوية المستثمر نفسه، وفي قدرته على الدخول إلى أسواق جديدة وتوسيع نشاطه في إفريقيا.

منافس جديد أمام مجموعة تملك عدة أسواق في وقت واحد

دخول شركة فارون للمشروبات إلى تونس، إذا تحول إلى استثمار صناعي فعلي، لن يحدث في سوق مفتوحة أمام عدد كبير من اللاعبين المتساوين.

مجموعة شركة صنع المشروبات بتونس تتمتع بموقع قوي للغاية في قطاع المشروبات، كما أن نشاطها لا يقتصر على المشروبات غير الكحولية.

فالمجموعة تنشط في إنتاج المشروبات الغازية والمياه والعصائر، وتمتلك في الوقت نفسه حضوراً مهماً جداً في سوق الجعة.

وتقول المجموعة إن حصتها تتجاوز ثمانين بالمائة من سوق المشروبات الغازية، كما تتجاوز ثمانين بالمائة من سوق الجعة، إضافة إلى أكثر من ربع سوق المياه المعلبة.

وهذا يجعل المنافسة المحتملة مختلفة عن دخول شركة جديدة إلى قطاع واحد، لأن الوافد الهندي سيجد أمامه مجموعة متكاملة تمتلك خبرة صناعية وشبكة توزيع واسعة وعلامات تجارية راسخة.

لماذا يستحق الوافد الهندي الاهتمام؟

شركة فارون للمشروبات ليست اسماً جديداً في عالم المشروبات.

فالشركة الهندية تعد من أكبر شركاء شركة بيبسيكو العالمية خارج الولايات المتحدة، وتعمل منذ سنوات في تصنيع وتعبئة وتوزيع عدد كبير من المشروبات.

وتشمل خبرتها علامات عالمية معروفة في الأسواق التي تملك فيها حقوق الإنتاج والتوزيع، كما بنت خلال السنوات الماضية حضوراً متزايداً في إفريقيا.

وتنشط الشركة في عدد من الدول الإفريقية، من بينها المغرب وزامبيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب أسواق آسيوية أخرى.

وهذا يعني أن دخولها إلى تونس لن يكون أول تجربة لها في سوق إفريقية، وإنما حلقة جديدة في توسع دولي قائم بالفعل.

المغرب يقدم مؤشراً مهماً

التجربة المغربية قد تكون الأكثر أهمية عند محاولة فهم ما يمكن أن تفعله الشركة في تونس.

فشركة فارون للمشروبات لم تكتف في المغرب بتسويق المنتجات، وإنما طورت نشاطها الصناعي ووسعت قدراتها في الإنتاج والتعبئة.

وهذا النموذج مهم بالنسبة إلى تونس، لأن المشروع المعلن حالياً لا يتحدث عن توزيع منتجات فقط، وإنما عن الإنتاج والتوزيع معاً.

وبالتالي، فإن السيناريو الذي يستحق المتابعة هو: هل ستنشئ الشركة الهندية مصنعاً في تونس وتبدأ تدريجياً في رفع طاقتها الإنتاجية وإضافة منتجات جديدة؟

الإجابة لن تكون واضحة إلا بعد استكمال الإجراءات القانونية والإعلان عن تفاصيل الاستثمار الصناعي.

المياه ليست الهدف الوحيد

قد يبدو توقيت المشروع مرتبطاً بأزمة المياه المعلبة التي شهدتها تونس خلال هذا الصيف، لكن المعطيات المتوفرة لا تسمح بهذا الاستنتاج.

الشركة الجديدة ستنشط، وفق الإعلان، في المشروبات الغازية والعصائر والمياه والمنتجات اللبنية.

وبالتالي، فإن المشروع أوسع من مجرد الاستفادة من الطلب المرتفع على المياه المعلبة.

ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية أظهرت بوضوح حجم الطلب في السوق التونسية، كما كشفت أن التحدي لا يرتبط بالإنتاج وحده، وإنما أيضاً بالتخزين والنقل والتوزيع والقدرة على الاستجابة السريعة لارتفاع الاستهلاك.

وهذه كلها مجالات تملك فيها الشركات العالمية الكبرى خبرة واسعة.

المنافسة الحقيقية قد تكون في شبكة التوزيع

قد يكون بناء مصنع جديد أقل صعوبة من بناء شبكة توزيع تنافس الشبكات الموجودة منذ عقود.

وهنا تمتلك شركة صنع المشروبات بتونس أفضلية واضحة.

فالوصول إلى المستهلك التونسي يمر عبر شبكة واسعة من التجار والمقاهي والمطاعم والمساحات التجارية ونقاط البيع.

ولذلك، فإن نجاح فارون لن يقاس بعدد القوارير التي تستطيع إنتاجها، وإنما بقدرتها على الوصول بها إلى المستهلك في مختلف الجهات وبأسعار قادرة على المنافسة.

إذا نجحت في ذلك، فإنها ستتحول من مستثمر جديد إلى لاعب حقيقي في السوق.

ماذا ستكسب تونس؟

إذا تحول المشروع إلى مصنع فعلي، فإن تونس يمكن أن تستفيد على أكثر من مستوى.

أولاً، إضافة طاقات إنتاجية جديدة.

ثانياً، توفير مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة.

ثالثاً، إدخال تقنيات وخبرات جديدة في التصنيع والتعبئة والتوزيع.

رابعاً، زيادة المنافسة في قطاع يعرف درجة مرتفعة من التركّز.

خامساً، إمكانية تطوير صادرات نحو الأسواق المجاورة في حال تجاوز الإنتاج حاجات السوق المحلية.

لكن الحديث عن التصدير يبقى في الوقت الحالي احتمالاً، وليس هدفاً معلناً من الشركة.

هل ستنافس فارون في سوق الجعة؟

المشروع المعلن حالياً لا يتضمن إنتاج الجعة، وإنما يركز على المشروبات الغازية والعصائر والمياه والمنتجات اللبنية.

لذلك لا توجد في الوقت الحالي مواجهة مباشرة بين الشركة الهندية ومجموعة صنع المشروبات بتونس في هذا المجال.

لكن أهمية سوق الجعة في تونس تجعلها عاملاً لا يمكن تجاهله عند دراسة القوة الاقتصادية للمجموعة التونسية.

فهي لا تواجه منافساً يملك نشاطاً واحداً، وإنما مجموعة قوية تمتد أعمالها إلى عدة قطاعات، وفي مقدمتها الجعة والمشروبات الغازية.

ومن هنا، فإن دخول فارون سيختبر في البداية قدرتها على بناء موقع في الأسواق غير الكحولية، قبل معرفة ما إذا كانت ستوسع نشاطها مستقبلاً.

تسعة ملايين دينار.. هل هو حجم الاستثمار؟

لا.

التسعة ملايين دينار هي رأس المال المعلن للشركة المشتركة، وليست بالضرورة قيمة الاستثمار الصناعي الكامل.

وهذه نقطة مهمة جداً عند قراءة الخبر.

فبناء مصنع وتجهيزه بخطوط الإنتاج وإنشاء المخازن وشبكة التوزيع يحتاج إلى استثمارات يمكن أن تتجاوز بكثير رأس المال الاجتماعي للشركة.

وحتى الآن، لم تكشف فارون عن قيمة الاستثمار الإجمالي، ولا عن موقع المصنع، ولا عن طاقته الإنتاجية، ولا عن عدد العمال المتوقع، ولا عن موعد بداية الإنتاج.

مشروع جدي.. لكن المصنع لم يولد بعد

المشروع ليس مجرد حديث عن رغبة في الاستثمار.

مجلس إدارة شركة فارون للمشروبات وافق على إنشاء الشركة المشتركة، وتم الإعلان عن العملية رسمياً ضمن الإفصاحات المالية للشركة في الهند.

كما تم تحديد الشريك التونسي ونسبة مساهمة كل طرف ورأس المال.

لكن في المقابل، الشركة التونسية لم تبدأ نشاطها بعد، وما تزال العملية مرتبطة باستكمال الإجراءات والحصول على الموافقات المطلوبة.

لذلك فإن الوصف الأدق هو أن فارون بدأت المسار الرسمي لدخول السوق التونسية، لكنها لم تبدأ بعد الإنتاج في تونس.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة.

هل نحن أمام بداية نهاية هيمنة الكبار؟

من المبكر جداً الحديث عن نهاية نفوذ شركة صنع المشروبات بتونس.

المجموعة التونسية تملك خبرة تمتد لعقود، وعلامات تجارية معروفة، وشبكة توزيع قوية، وحضوراً مهماً في المشروبات الغازية والمياه، إضافة إلى موقع مهيمن في سوق الجعة.

لكن دخول شركة دولية بحجم فارون يمكن أن يغير شيئاً مهماً: درجة المنافسة.

فحتى لو لم تتمكن الشركة الهندية سريعاً من انتزاع حصة كبيرة من السوق، فإن مجرد دخول لاعب يمتلك خبرة عالمية وشبكة دولية وقدرات صناعية يمكن أن يدفع بقية المؤسسات إلى مزيد من الاستثمار والتطوير.

وبالنسبة إلى المستهلك التونسي، قد تكون النتيجة الأهم هي اتساع الخيارات وتحسن المنافسة.

أما بالنسبة إلى تونس، فإن السؤال الحاسم ليس فقط من سيبيع المشروبات؟ وإنما هل ستتحول هذه المبادرة إلى استثمار صناعي حقيقي يوفر إنتاجاً جديداً ووظائف وتكنولوجيا وقدرة على التصدير؟

حتى الآن، الإجابة لم تُحسم.

لكن المؤكد أن شركة فارون للمشروبات بدأت رسمياً الاقتراب من السوق التونسية، وأن الوافد الجديد اختار الدخول إلى سوق تملك فيها مجموعة صنع المشروبات بتونس موقعاً بالغ القوة في المشروبات الغازية والمياه والجعة.

والأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان الأمر يتعلق بشركة جديدة على الورق، أم ببداية دخول لاعب دولي يمكن أن يفرض لأول مرة منذ سنوات منافسة أكثر قوة على إمبراطورية المشروبات التونسية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى