الرئيسية آخر الأخبار هل غادرت تونس الحسابات الاستراتيجية الأمريكية؟

هل غادرت تونس الحسابات الاستراتيجية الأمريكية؟

0
233

أثار تسريب مذكرة من وزارة الخارجية الأمريكية حول خطة لإعادة هيكلة الخدمات القنصلية في أفريقيا جدلاً واسعاً، خاصة بعد تداول قائمة تضم 20 مركزاً إقليمياً لمعالجة طلبات التأشيرات دون أن تتضمن تونس. وسارع بعض المعلقين إلى اعتبار ذلك دليلاً على تراجع أهمية تونس لدى الولايات المتحدة وخروجها من الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.

غير أن قراءة أعمق للمعطيات الميدانية والسياسية والعسكرية تكشف أن هذا الاستنتاج يبدو متسرعاً، بل ويتعارض مع جملة من المؤشرات التي تؤكد استمرار الموقع المحوري لتونس في الرؤية الأمريكية الخاصة بشمال أفريقيا والفضاء المتوسطي ومنطقة الساحل.

بين البعد القنصلي والبعد الاستراتيجي

أول ما ينبغي التمييز بينه هو أن إعادة تنظيم مكاتب التأشيرات والخدمات القنصلية لا تعكس بالضرورة ترتيب الدول في سلم الأولويات الجيوسياسية أو الأمنية الأمريكية.

فالخطة المعلنة تندرج ضمن سياسة أوسع لإعادة هيكلة التمثيل الدبلوماسي وترشيد النفقات الإدارية وتشديد الرقابة على ملفات الهجرة والتأشيرات. كما أن القائمة المنشورة لم تستبعد تونس فقط، بل لم تشمل أيضاً دولاً ذات وزن إقليمي مهم مثل المغرب والجزائر ومصر، وهو ما يؤكد أن المعايير المعتمدة ليست مرتبطة حصراً بالأهمية السياسية أو العسكرية.

شريك رئيسي من خارج الناتو

على المستوى الاستراتيجي، ما تزال تونس تحتفظ بمكانة خاصة في العلاقات مع الولايات المتحدة، حيث تتمتع منذ سنة 2015 بصفة « حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي »، وهي صفة لا تمنحها واشنطن إلا لعدد محدود من شركائها حول العالم.

وتوفر هذه الصفة إطاراً متميزاً للتعاون العسكري والأمني والتقني، كما تعكس مستوى الثقة الذي بنته المؤسستان العسكرية والأمنية في البلدين على امتداد سنوات طويلة.

تعاون عسكري متصاعد

خلال السنوات الأخيرة، لم يتراجع التعاون العسكري الأمريكي التونسي بل شهد تطوراً ملحوظاً من خلال برامج التدريب المشترك وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي والتجهيزات العسكرية.

وكانت تونس قد تسلمت دفعات متتالية من المعدات والآليات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى مواصلة برامج التكوين والتدريب التي تشمل مختلف الاختصاصات العسكرية والأمنية.

كما تشارك القوات المسلحة التونسية بانتظام في مناورات عسكرية متعددة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها مناورات « الأسد الأفريقي » التي تعد من أكبر التدريبات العسكرية في القارة الأفريقية.

أفريكوم: تونس والمغرب ركيزتان للاستقرار

الأهم من ذلك أن القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) لم تتوقف عن التأكيد على أهمية تونس كشريك أمني رئيسي في المنطقة.

وفي أكثر من مناسبة، شدد المسؤولون العسكريون الأمريكيون على الدور الذي تضطلع به تونس في دعم الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن في شمال أفريقيا.

كما أبرزت التصريحات الأخيرة لقائد أفريكوم الجديد أهمية كل من تونس والمغرب باعتبارهما من أكثر الشركاء الإقليميين قدرة على المساهمة في الأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء.

موقع جغرافي لا يمكن تجاهله

تتمتع تونس بموقع استراتيجي استثنائي يربط بين البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وهو ما يجعلها نقطة ارتكاز مهمة في الحسابات الأمنية الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً.

كما أن الاستقرار النسبي الذي تتمتع به البلاد مقارنة بعدد من دول الجوار يمنحها أهمية إضافية في ظل التوترات الأمنية والسياسية التي تعرفها عدة مناطق أفريقية ومتوسطية.

الوقائع أقوى من التأويلات

عندما يتعلق الأمر بقياس الوزن الاستراتيجي لأي دولة، فإن المؤشرات الحقيقية لا تتمثل في عدد مكاتب التأشيرات أو حجم الخدمات القنصلية، بل في مستوى التعاون العسكري والأمني، وحجم المساعدات الدفاعية، وكثافة التدريبات المشتركة، وعدد الزيارات العسكرية رفيعة المستوى، وطبيعة الدور الذي تضطلع به الدولة داخل محيطها الإقليمي.

وبالنظر إلى هذه المعايير، لا توجد مؤشرات ملموسة تفيد بأن تونس خرجت من الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. بل إن الوقائع الميدانية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى استمرار الشراكة الأمنية والعسكرية بين البلدين وتطورها في عدد من المجالات الحيوية.

قد تؤدي إعادة هيكلة الخدمات القنصلية الأمريكية في أفريقيا إلى تقليص بعض الأنشطة الإدارية أو نقل معالجة التأشيرات إلى مراكز إقليمية أخرى، لكن ذلك لا يمكن اعتباره دليلاً على تراجع مكانة تونس لدى واشنطن.

فالحقائق المرتبطة بالتعاون العسكري، وشهادة المسؤولين الأمريكيين، والمناورات المشتركة، وصفة الحليف الرئيسي من خارج الناتو، كلها عناصر تؤكد أن تونس ما تزال تحتفظ بموقع مهم داخل الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في شمال أفريقيا، وأن الحديث عن خروجها من الحسابات الأمريكية يظل أقرب إلى التأويل السياسي منه إلى القراءة الموضوعية للوقائع.