أثارت تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، بشأن توثيق ما وصفه بجرائم تتمثل في القطع المتعمد لعدد من أنابيب توزيع المياه وأسلاك الكهرباء، سؤالاً قانونياً وسياسياً بالغ الأهمية: هل تتحول هذه المعطيات إلى ملفات قضائية وملاحقات ضد المسؤولين عنها، وما هي العقوبات التي يمكن أن تنتظر من تثبت إدانته؟
خلال زيارته يوم السبت 22 أوت 2026 إلى عدد من المناطق في ولايات القيروان وسوسة والمهدية، تحدث رئيس الجمهورية عن الوضع المتعلق بالماء والكهرباء، مؤكداً أن ما يحصل من انقطاعات خلال موجة الحر « ليس بالأمر الطبيعي »، ومشيراً إلى أن السلطات وثقت، وفق ما نقلته رئاسة الجمهورية، عمليات قطع متعمد لأنابيب توزيع المياه وأسلاك الكهرباء.
كما كشف سعيّد عن حجز أكثر من 80 ألف قارورة ماء معدني كانت مخفية داخل أحد المستودعات، قبل أن يتم توزيعها على الأسواق.
هل تكفي تصريحات الرئيس لفتح قضية؟
قانونياً، لا تشكل تصريحات رئيس الجمهورية وحدها حكماً بالإدانة، كما أنها لا تعني تلقائياً ثبوت المسؤولية الجزائية على أي شخص أو مؤسسة.
لكن خطورة المعطيات التي أعلن عنها تكمن في استعمال عبارة « تم توثيق عدد من الجرائم »، وهو ما يعني وجود محاضر معاينة، تقارير فنية، تسجيلات و أدلة مادية يمكن إحالتها إلى النيابة العمومية لتحديد الفاعلين.
وفي حال وجود شبهة جريمة، فإن تحديد المسؤوليات والعقوبات يظل من اختصاص القضاء بعد إجراء الأبحاث وسماع الأطراف وجمع الأدلة وتحديد التكييف القانوني الدقيق للأفعال.
وفي المقابل، يطرح هذا الملف ضرورة التمييز بين الانقطاعات الناتجة عن الضغط الاستثنائي على شبكتي الماء والكهرباء، وبين الأفعال التي تحدث عنها رئيس الجمهورية باعتبارها عمليات قطع متعمدة. فقد سبق أن أوضح المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز أن ارتفاع درجات الحرارة والطلب القياسي على الكهرباء يدفع الشركة، عند بلوغ الشبكة مستويات حرجة، إلى اللجوء إلى قطع التيار بالتداول في بعض المناطق، وذلك حفاظاً على توازن الشبكة وتفادياً لانهيارها بالكامل.
وبالتالي، فإن مجرد انقطاع الكهرباء لا يمكن اعتباره دليلاً على وجود عمل تخريبي، إذ يتطلب الأمر تحديد مصدر كل انقطاع على حدة، والتمييز بين التدخلات الوقائية التي تقوم بها الشركة لحماية الشبكة، وبين قطع الأسلاك أو التجهيزات بصورة عمدية من قبل أطراف خارجية، وهي الأفعال التي قال رئيس الجمهورية إنها « تم توثيقها ».
ماذا يمكن أن يحدث قضائياً؟
إذا أثبتت الأبحاث أن قطع أنابيب المياه أو أسلاك الكهرباء تم بصفة عمدية وبهدف تعطيل مرفق أو منشأة أو الإضرار بالمواطنين، فإن التكييف القانوني قد يكون أشد بكثير من مجرد مخالفة عادية، بحسب طبيعة المنشأة وحجم الضرر والغاية من الفعل.
كما يمكن أن تتوسع الأبحاث، إذا كشفت الأدلة عن وجود مجموعة من الأشخاص أو تنسيق مسبق، لتحديد دور كل طرف: من نفذ الفعل، ومن أمر به، ومن ساعد عليه أو وفر الوسائل اللازمة لارتكابه.
أما في قضية تخزين كميات كبيرة من المياه المعدنية خارج مسالك التوزيع، فإن المسؤولية لا تثبت بمجرد العثور على القوارير داخل مستودع، بل يتعين على البحث تحديد هوية صاحبها، وسبب إخفائها، والغاية من ذلك، وما إذا كانت هناك مخالفات تجارية أو احتكارية أو أفعال أخرى مرتبطة بالعملية.
هل يمكن أن تصل العقوبات إلى السجن؟
نعم، إذا أثبت القضاء وجود جريمة عمدية تتوفر فيها أركان جزائية، فإن العقوبات يمكن أن تشمل السجن، لكن لا يمكن تحديد مدة العقوبة قبل معرفة التهمة التي ستوجه رسمياً إلى كل متهم.
وتنص المجلة الجزائية التونسية على عقوبات مختلفة بحسب طبيعة الفعل والضرر الناتج عنه. كما أن النصوص المتعلقة بالإضرار بالممتلكات والمنشآت أو تعطيلها يمكن أن تصبح ذات أهمية خاصة إذا تبين أن الأفعال استهدفت منشآت أو تجهيزات ذات صبغة عمومية.
وتتضمن المجلة الجزائية أيضاً أحكاماً خاصة ببعض الأفعال المتعلقة بالمياه ومجاريها؛ إذ ينص الفصل 320 على معاقبة من يضع أو يترك في مجاري المياه أو منابعها مواد أو أشياء من شأنها سدها.
أما العقوبات الأشد، فتتوقف على طبيعة الفعل والوسيلة المستعملة والنتائج المترتبة عنه. فعلى سبيل المثال، يفرض الفصل 307 من المجلة الجزائية عقوبات شديدة جداً في حالات محددة من الإحراق العمدي للمنشآت، ما يبرز أن القانون يميز بين مجرد الإضرار بالممتلكات وبين الأفعال التي تهدد سلامة الأشخاص والمنشآت بصورة خطيرة.
والأهم: من يتحمل المسؤولية؟
السؤال الذي ينتظر التونسيون الإجابة عنه لا يتعلق فقط بوجود أعمال تخريب من عدمها، وإنما أيضاً بـهوية من يقف وراءها.
فإذا أكدت الأبحاث أن قطع أنابيب المياه والأسلاك الكهربائية كان فعلاً متعمداً، فإن الملف قد يأخذ منحى قضائياً خطيراً، خصوصاً إذا أثبتت التحقيقات وجود تخطيط أو تنسيق أو منفعة مادية أو محاولة متعمدة للتأثير في الوضع العام.
وفي المقابل، فإن مجرد وقوع انقطاع في الماء أو الكهرباء لا يعني في حد ذاته وجود جريمة، إذ يتعين التفريق بين الأعطاب الفنية والانقطاعات الناتجة عن الضغط الكبير على الشبكات والحرارة المرتفعة، وبين الأعمال التخريبية المتعمدة التي تحدث عنها رئيس الجمهورية.
ملف قد يتجاوز أزمة الماء والكهرباء
تصريحات قيس سعيّد تكتسب أهمية إضافية لأنها جاءت في سياق حديثه عن « المحاسبة العادلة »، وعن الإرث الذي وصفه بالثقيل من الفساد والمفسدين وإهدار أموال الشعب وخيرات البلاد.
وبذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تكون حاسمة: ففرئيس الدولة تحدث عن وجود أدلة مادية تثبت عمليات القطع المتعمد، فإن الرأي العام سينتظر معرفة ما إذا كانت هذه المعطيات ستصل إلى القضاء، وما إذا كانت الأبحاث ستكشف عن منفذين فقط أم عن شبكة أو جهات تقف وراء هذه الأفعال.
أما الحكم النهائي، فلا يصدر إلا عن القضاء، وبعد تحديد التهم وإتمام الأبحاث والمحاكمة، ولا يمكن قانونياً اعتبار أي شخص مذنباً قبل صدور حكم قضائي بات.
