تحصلت « تونيزي تيليغراف » على مراسلة صادرة عن وزارة الدفاع الروسية تكشف للمرة الأولى مصير الطالب التونسي منتصر السحباني، الذي انقطعت أخباره منذ أشهر بعد نقله من أحد السجون الروسية إلى الجيش الروسي، قبل أن ينتهي به المطاف، وفق الوثيقة، متوفياً على خلفية مشاركته في الحرب الدائرة في أوكرانيا.
وتعيد القضية إلى الواجهة ملفاً شديد الحساسية يتعلق بتجنيد السجناء في روسيا وإرسالهم إلى جبهات القتال، وهي ممارسة أثارت خلال السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والإعلامية الدولية.
من تينجة إلى روسيا
منتصر السحباني، المولود في 8 فيفري 2000 بمدينة تينجة من ولاية بنزرت، سافر إلى روسيا سنة 2021 لمواصلة دراسته بإحدى الجامعات الحكومية بمدينة ليبيتسك.
لكن رحلة الدراسة لم تدم طويلاً، إذ تم إيقافه بعد أقل من شهرين من وصوله، وأدين في قضية تتعلق بترويج المخدرات، قبل أن يصدر في حقه حكم بالسجن لمدة ست سنوات.
وبحسب معطيات حصلت عليها « تونيزي تيليغراف » من عائلته، فقد عاش الشاب التونسي ظروفاً صعبة داخل السجن، وتعرض لفترات متكررة من الحبس الانفرادي، خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
من السجن إلى الجبهة
تؤكد عائلة السحباني أن ابنها أُخرج من سجنه بمدينة ليبيتسك خلال شهر أوت 2025، وتم دفعه إلى توقيع عقد للالتحاق بالجيش الروسي.
وتقول العائلة إن عملية التجنيد لم تكن نتيجة رغبة حرة، بل جاءت في سياق ضغوط كبيرة مورست على السجين التونسي، قبل أن يخضع لتدريب قصير لم يتجاوز عشرة أيام، ثم يُرسل مباشرة إلى جبهة القتال.
ومنذ 11 سبتمبر 2025، انقطعت جميع أخباره، ولم تتمكن العائلة من الحصول على أي معلومات رسمية حول مكان وجوده أو مصيره.

الوثيقة التي حسمت الجدل
التحول الأبرز في القضية جاء من خلال مراسلة رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الروسية بتاريخ 22 ماي 2026 وموجهة إلى محام روسي يتابع الملف.
وتفيد الوثيقة بأن منتصر السحباني التحق بالخدمة العسكرية بموجب عقد أُبرم يوم 22 أوت 2025، وتم إرساله إلى الوحدة العسكرية رقم 91704.
لكن المعطى الأكثر أهمية في الوثيقة يتمثل في تأكيد وزارة الدفاع الروسية أن السحباني « تم تسريحه من الخدمة العسكرية بسبب الوفاة » بتاريخ 18 أفريل 2026.
ورغم أهمية هذه المعلومة، فإن الوثيقة لا تتضمن أي تفاصيل بشأن مكان الوفاة أو ظروفها أو كيفية حدوثها، كما لا تشير إلى مكان دفن الجثمان أو ما إذا تم إبلاغ السلطات التونسية رسمياً بالحادثة.
عقود تحت الضغط؟
قضية منتصر السحباني تطرح تساؤلات تتجاوز الحالة الفردية.
فمنذ عام 2022 نشرت وسائل إعلام دولية ومنظمات حقوقية عديدة تقارير تحدثت عن تجنيد آلاف السجناء الروس وإغرائهم أو الضغط عليهم للقتال في أوكرانيا مقابل العفو أو تخفيف العقوبات أو الحصول على امتيازات مالية.
كما وثقت تقارير دولية شهادات لسجناء سابقين تحدثوا عن تعرضهم لضغوط نفسية كبيرة للقبول بهذه العقود، في ظل أوضاع سجنية قاسية وغياب بدائل حقيقية أمام بعضهم.
ولا توجد حتى الآن معطيات مستقلة تمكن من التحقق من الظروف الدقيقة التي وقع فيها منتصر السحباني على عقده العسكري، لكن رواية العائلة تتقاطع مع ما ورد في عدد من التقارير الدولية بشأن أساليب تجنيد السجناء خلال الحرب.
شقيقته حذّرت قبل أشهر: « أخبرونا أن ذلك مستحيل لأنه تونسي »
تكشف رحاب السحباني، شقيقة منتصر، أن العائلة كانت قد حذّرت منذ جويلية 2025 من خطر نقل شقيقها إلى جبهة القتال في أوكرانيا، بعد معلومات وصلتها بشأن ضغوط مورست عليه داخل السجن للالتحاق بالجيش الروسي.
وتؤكد رحاب في تصريح لـ »تونيزي تيليغراف » أنها حاولت آنذاك لفت الانتباه إلى وضعية شقيقها، غير أنها لم تجد التجاوب الذي كانت تنتظره.
وتضيف أن عدداً من الأشخاص الذين تواصلت معهم استبعدوا إمكانية إرسال شقيقها إلى الحرب، معتبرين أن ذلك « غير معقول » بحكم أنه مواطن تونسي وليس روسياً.
غير أن الوقائع، وفق رواية العائلة والوثيقة الروسية التي تحصلت عليها لاحقاً، سارت في اتجاه مغاير تماماً.
فبعد نحو شهر واحد فقط من تلك التحذيرات، تم نقل منتصر السحباني من محيط السجن إلى المؤسسة العسكرية الروسية، قبل أن يوقّع عقداً عسكرياً بتاريخ 22 أوت 2025 ويتم إلحاقه بالوحدة العسكرية رقم 91704، وفق ما ورد في المراسلة الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية.
ومنذ 11 سبتمبر 2025 انقطعت أخباره بشكل كامل، لتعيش العائلة أشهراً طويلة من القلق والانتظار، قبل أن تتلقى مؤخراً وثيقة رسمية نقلها محام روسي يتابع الملف، تؤكد أن منتصر السحباني « تم تسريحه من الخدمة العسكرية بسبب الوفاة » بتاريخ 18 أفريل 2026.
وتقول شقيقته إن العائلة لم تتلق إلى حد الآن أي توضيحات بشأن ظروف الوفاة أو مكانها أو مصير الجثمان، مؤكدة أنها تواصل حالياً اتصالاتها مع السفارة التونسية في موسكو من أجل الحصول على المعلومات اللازمة وتسهيل إجراءات نقل جثمان شقيقها إلى تونس.
وتثير هذه القضية تساؤلات بشأن مصير الأجانب الموجودين في السجون الروسية خلال سنوات الحرب، ومدى تعرض بعضهم لضغوط للانخراط في القتال، فضلاً عن الآليات المتاحة لحماية المواطنين التونسيين في مثل هذه الحالات ومتابعة أوضاعهم لدى السلطات الأجنبية.
وبينما تنتظر العائلة استكمال الإجراءات الرسمية، يبقى ملف منتصر السحباني مفتوحاً على أسئلة عديدة، تبدأ من ظروف تجنيده ولا تنتهي عند الملابسات الحقيقية لوفاته على الأراضي الأوكرانية.





