تكشف مقارنة أجرتها وكالة الأنباء الإيطالية «نوفا» بين السياسات الأوروبية تجاه تونس والمغرب في مجال الهجرة غير النظامية عن اختلاف واضح في الأدوات التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي مع كل بلد، رغم أن الهدف المعلن واحد: الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من شمال إفريقيا نحو أوروبا.
ففي تونس، تتركز المساعدة الأوروبية أساساً على الاستجابة العملياتية والأمنية في البحر: زوارق الدوريات، المحركات وقطع الغيار، معدات المراقبة، التدريب، وسترات النجاة، إلى جانب دعم مركز تنسيق عمليات الإنقاذ وبرامج العودة الطوعية.
أما في المغرب، فتأخذ الشراكة طابعاً أوسع، إذ تعتمد بروكسل بدرجة كبيرة على دعم الميزانية والبرامج الوطنية وتعزيز القدرات الإدارية والمؤسساتية، إلى جانب تمويل مراقبة الحدود والحماية والعودة وإعادة الإدماج والهجرة القانونية.
وترى «نوفا» أن هذا الاختلاف ليس عرضياً، بل يرتبط بطبيعة كل مسار للهجرة وبالعلاقة التي طورتها بروكسل مع البلدين.
تونس.. نموذج أمني وعملياتي فرضته أزمة 2023
بحسب التقرير، لا تزال تونس تعتمد أساساً على النموذج الذي تطور بعد أزمة الهجرة الكبرى التي شهدها طريق وسط البحر الأبيض المتوسط سنة 2023، عندما أصبحت السواحل التونسية نقطة انطلاق رئيسية نحو إيطاليا.
وفي إطار الشراكة الاستراتيجية والشاملة الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي في 16 جويلية 2023، أصبح ملف الهجرة والتنقل أحد المحاور الخمسة الرئيسية للاتفاق، إلى جانب الاستقرار الاقتصادي الكلي والاقتصاد والتجارة وانتقال الطاقة والتواصل بين الشعوب.
وقد حصل محور الهجرة على دفع عملي سريع، خصوصاً بعد الارتفاع الكبير في أعداد المهاجرين الذين كانوا يغادرون السواحل التونسية باتجاه إيطاليا.
وفي سبتمبر 2023، أعلنت المفوضية الأوروبية حزمة مساعدات تقارب 105 ملايين يورو لإدارة الهجرة في تونس.
وتشمل المساعدات الأوروبية، وفق المعطيات التي أوردتها «نوفا»، تحديث وتعزيز الوحدات البحرية المشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، وتوفير مركبات ومعدات للمراقبة، ودعم الحرس البحري الوطني والبحرية التونسية، فضلاً عن برامج الحماية والعودة الطوعية.
كما تشير وثائق أوروبية إلى تخصيص 16.5 مليون يورو من ميزانية 2021 و17 مليون يورو من ميزانية 2023 لدعم قدرات البحث والإنقاذ، إضافة إلى 13.5 مليون يورو لتدريب الحرس البحري الوطني.
وتشمل المساعدة أيضاً دعم مركز تنسيق عمليات الإنقاذ، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات، وتوفير المحركات وقطع الغيار وسترات النجاة والكاميرات والمركبات وأجهزة المسح.
إيطاليا.. الطرف الأكثر حضوراً في النموذج التونسي
تحتل إيطاليا موقعاً محورياً في هذه المنظومة، باعتبارها الوجهة الرئيسية للمهاجرين الذين ينطلقون من تونس عبر وسط المتوسط.
وتكمل المساعدات الأوروبية مساعدات إيطالية ثنائية وبرامج تنفذها المنظمة الدولية للهجرة ومبادرات ضمن إطار «فريق أوروبا».
وبذلك تشكلت في تونس شبكة متكاملة تجمع بين المراقبة الساحلية واعتراض القوارب وإدارة وجود المهاجرين وبرامج العودة.
وترى «نوفا» أن هذه البنية تشكلت أساساً استجابة للأزمة التي بلغت ذروتها سنة 2023.
المغرب.. نموذج مختلف
في المقابل، تطور النموذج المغربي على مدى فترة أطول، في إطار شراكة بين الرباط والاتحاد الأوروبي تعود إلى سنة 2000 وتشمل إلى جانب الهجرة ملفات التجارة والاستثمار والأمن والتنمية الاجتماعية والتنقل.
كما وضع المغرب منذ سنة 2013 استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء أصبحت الإطار المؤسساتي الرئيسي للبرامج التي يمولها الاتحاد الأوروبي.
وبحسب أحدث بيانات المفوضية الأوروبية، خصص الاتحاد الأوروبي للمغرب حوالي 193 مليون يورو بين 2021 و2024 عبر المخصصات الإقليمية المتعلقة بالهجرة.
ومن هذا المبلغ، يرتبط حوالي 152 مليون يورو بدعم ميزانية الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء والخطة التشغيلية لوزارة الداخلية.
أما نحو 41 مليون يورو فمخصصة للحماية والعودة وإعادة الإدماج والهجرة القانونية وحرية التنقل.
وتشدد «نوفا» على أن إجمالي المخصصات الثنائية للاتحاد الأوروبي للمغرب خلال الفترة نفسها بلغ حوالي 931 مليون يورو في شكل منح، لكن هذا الرقم يشمل قطاعات عديدة ولا يمكن مقارنته مباشرة بالمساعدات المخصصة للهجرة في تونس.
الفارق الأساسي: الزوارق في تونس والميزانية في المغرب
وترى الوكالة الإيطالية أن دعم الميزانية يمثل أبرز اختلاف بين النموذجين.
ففي تونس، تتركز المساعدات بشكل أكبر على المعدات والقدرات العملياتية، خصوصاً في البحر.
أما في المغرب، فلا تقتصر المساعدة الأوروبية على تمويل مشاريع أو تجهيزات محددة، وإنما تشمل أيضاً تحويل موارد مرتبطة بتنفيذ السياسات الوطنية وتحقيق أهداف متفق عليها.
ولا يعني ذلك أن النموذج المغربي أقل أمنياً، إذ يوجه جزء مهم من التمويل إلى وزارة الداخلية ومراقبة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.
لكن التمويل، وفق «نوفا»، أصبح مدمجاً بدرجة أكبر في الجهاز الإداري المغربي، مع امتداده إلى ملفات التسوية والحماية والتدريب والتنقل القانوني وإعادة الإدماج.
اختلاف الجغرافيا يفسر اختلاف السياسة
وتربط الوكالة الإيطالية بين اختلاف المقاربة الأوروبية وبين الموقع الجغرافي لكل من تونس والمغرب.
فبالنسبة إلى تونس، يتركز المسار الرئيسي على وسط البحر الأبيض المتوسط باتجاه إيطاليا، وبدرجة أقل مالطا.
أما المغرب، فيوجد عند ملتقى ثلاثة مسارات رئيسية باتجاه إسبانيا:
- غرب البحر الأبيض المتوسط؛
- الحدود البرية مع سبتة ومليلية؛
- الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري.
ولهذا كانت روما المحرك السياسي الرئيسي للشراكة الأوروبية مع تونس، بينما شكل التعاون الثنائي بين مدريد والرباط لسنوات حجر الزاوية في إدارة الحدود والهجرة.
انخفاض الهجرة من تونس.. وارتفاع الضغط على سبتة ومليلية
وتظهر البيانات الأخيرة، وفق التقرير، أن تشديد الرقابة لم يؤد بالضرورة إلى اختفاء الضغط، وإنما يمكن أن يؤدي إلى تحويل مسارات الهجرة من منطقة إلى أخرى.
فبحسب وزارة الداخلية الإسبانية، انخفض عدد الوافدين بحراً إلى جزر الكناري بنحو 60% بين جانفي وجويلية 2026، من 11,575 إلى 4,675 شخصاً.
في المقابل، ارتفع عدد الوافدين براً بشكل غير نظامي إلى سبتة ومليلية خلال الفترة نفسها من 1,601 إلى 4,182 شخصاً، أي بأكثر من 160%.
وكانت الزيادة متركزة تقريباً بالكامل في سبتة.
وفي مسار وسط المتوسط، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في جويلية أن أعداد الوافدين غير النظاميين من تونس إلى إيطاليا انخفضت بنسبة 97% منذ 2023.
لكن التقرير يشدد على أن هذا الانخفاض لا يمكن نسبته إلى مذكرة الشراكة التونسية الأوروبية وحدها، بل ساهمت فيه أيضاً الإجراءات التي اتخذتها تونس، والتعاون الثنائي مع إيطاليا، فضلاً عن تغير بعض مسارات الهجرة نحو ليبيا.
أكثر من 8 آلاف عودة من تونس في 2025
في ملف العودة، ساعدت المنظمة الدولية للهجرة في إعادة 8,853 مهاجراً من تونس خلال سنة 2025، فيما تجاوز عدد المستفيدين من برامج العودة 2,000 شخص منذ بداية 2026.
وبصفة عامة، ساعدت دول شمال إفريقيا في إعادة أكثر من 35,800 مهاجر إلى بلدانهم الأصلية خلال 2025، وتجاوز عدد عمليات العودة 12 ألفاً منذ بداية 2026.
لكن نجاح هذه الأرقام في خفض أعداد الوافدين لا ينهي الجدل حول طريقة إدارة ملف الهجرة.
انتقادات حقوقية للسياسة الأوروبية
وتواجه الشراكة الأوروبية مع دول شمال إفريقيا انتقادات من منظمات حقوق الإنسان واللاجئين، خصوصاً بشأن ظروف اعتراض المهاجرين ونقلهم وعمليات إعادتهم.
وفي 16 جويلية، اتهمت منظمة العفو الدولية التعاون الأوروبي مع تونس بالمساهمة، وفق تقييمها، في عمليات احتجاز تعسفي وطرد جماعي وإعادة قسرية لمهاجرين إلى بلدان قد يواجهون فيها خطر سوء المعاملة.
وتطرح هذه الانتقادات سؤالاً أساسياً حول المسؤولية الأوروبية: فكلما اعتمد الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر على دول شمال إفريقيا لاحتواء الهجرة قبل وصولها إلى الأراضي الأوروبية، أصبح السؤال حول مدى احترام حقوق المهاجرين أثناء عمليات الاعتراض والنقل والعودة أكثر إلحاحاً.
تونس والمغرب.. نفس الهدف، لكن بوصفتيْن مختلفتين
وتخلص مقارنة «نوفا» إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يتعامل مع تونس والمغرب وفق وصفة واحدة.
في تونس: الأولوية للبحر، والزوارق، والمحركات، والمراقبة، والتدريب، والإنقاذ والعودة.
في المغرب: الأولوية أوسع وتشمل دعم المؤسسات والميزانية والاستراتيجية الوطنية، إلى جانب مراقبة الحدود والعودة والحماية والهجرة القانونية.
وبذلك، فإن المقارنة لا تكشف فقط اختلاف حجم التمويل، بل تكشف اختلافاً في طبيعة العلاقة الأوروبية مع البلدين وفي الدور الذي تريد بروكسل أن يلعبه كل منهما في منظومة الهجرة نحو أوروبا.
*** المصدر وكالة نوفا الايطالية



