الرئيسية اقتصاد جمال بن جميع يكتب عن الملايين المهدورة باسم “الاقتصاد في الكلفة”

جمال بن جميع يكتب عن الملايين المهدورة باسم “الاقتصاد في الكلفة”

0
1998
الخبير الاقتصادي جمال بن جميع
الخبير الاقتصادي جمال بن جميع

يطرح الخبير الاقتصادي جمال بن جميع مقاربة نقدية عميقة لمنظومة الصفقات العمومية في تونس، داعيًا إلى القطع مع ما يسميه “عبادة السعر الأدنى” والانتقال نحو مفهوم “السعر الكفء” أو “الشراء الذكي” الذي يوازن بين الجودة والكلفة والنجاعة والآجال.

ويرى بن جمعية أن التركيز الحصري على العرض الأرخص خلق عبر السنوات أوهامًا إدارية تعتبر أن الأقل سعرًا هو دائمًا الخيار الأكثر حكمة، في حين أن الواقع أثبت أن العديد من الصفقات التي تُسند على هذا الأساس تتحول لاحقًا إلى كلفة مضاعفة بسبب التأخير، والأشغال الرديئة، والملحقات التعديلية، والنزاعات، والأعطاب التقنية، ما يجعل “التوفير” المعلن عند الإسناد مجرد فاتورة مؤجلة تتحملها الدولة والمواطن.

ويؤكد أن منظومة الشراء العمومي في تونس، رغم استنادها إلى الإطار القانوني الذي ينظمه الأمر عدد 1039 لسنة 2014 ومنصة “تونيبس” الرقمية، مازالت أسيرة ثقافة إدارية تهتم بالوثائق والإجراءات أكثر من اهتمامها بالقيمة الحقيقية للصفقة وجدواها الاقتصادية. ويتساءل: كيف يمكن الانتقال من إدارة تراقب الملفات إلى إدارة تقيس النجاعة؟

ويشدد على أن “الأقل سعرًا” ليس بالضرورة “الأفضل”، لأن تقييم العروض يجب أن يأخذ بعين الاعتبار جودة المنتوج أو الخدمة، وقدرة المزود على الالتزام، وكلفة الصيانة، ومدى استدامة التجهيزات، واحترام الآجال، لا مجرد الرقم المكتوب أسفل العرض المالي.

وفي هذا السياق، يستعرض الكاتب التجربة الإيطالية مستندًا إلى دراسة نشرتها مؤسسة « ايفراب  » الفرنسية في مارس 2026 حول إصلاح الشراءات العمومية في إيطاليا، حيث تم اعتماد مبدأ “تأهيل المشترين العموميين”، أي ربط حق المؤسسة في إبرام الصفقات بمدى كفاءتها وقدرتها الفنية على إدارة عمليات الشراء، إلى جانب دعم الشراءات المجمعة، وتعزيز مهنية القائمين على الصفقات، وتطوير أنظمة مراقبة الأسعار والشفافية.

ويعتبر أن تونس ليست مطالبة بنسخ النموذج الإيطالي حرفيًا، بل باستخلاص روحه، عبر تحويل منصة “تونيبس” من مجرد فضاء لإيداع العروض إلكترونيًا إلى “عقل رقمي” للشراء العمومي، يتولى مراقبة الأسعار، وقياس آجال الإنجاز، وتقييم أداء المزودين والإدارات، ورصد الاختلالات بشكل استباقي.

كما يدعو إلى تبسيط الإجراءات الإدارية التي تمثل عبئًا خاصًا على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، من خلال اعتماد ملف موحد للمؤسسات، وتقليص الوثائق المطلوبة، ومنع الإدارة من مطالبة الشركات بوثائق تمتلكها الدولة أصلًا، معتبرًا أن الرقمنة لا تعني نقل التعقيد الورقي إلى شاشة إلكترونية، بل إعادة تصميم المسار الإداري بالكامل.

ويحذر كذلك من كلفة التأخير في إنجاز الصفقات العمومية، مؤكدًا أن كل مشروع متعطل يعني مدرسة تنتظر، أو مستشفى يؤجل خدماته، أو طريقًا تتدهور حالتها، أو مؤسسة تخسر سيولتها المالية، معتبرًا أن “الزمن الإداري” له كلفة اقتصادية وأخلاقية أيضًا.

ويقترح بن جميع خارطة طريق تقوم على عدة محاور، أبرزها:

  • تكريس مبدأ “الأفضل قيمة” بدل “الأقل سعرًا”.
  • تبسيط الملفات والإجراءات.
  • تأهيل المشترين العموميين وتكوينهم.
  • دعم الشراءات المجمعة عند الحاجة.
  • حماية المؤسسات الصغرى والمتوسطة عبر تقسيم الصفقات بذكاء.
  • تحويل “تونيبس” إلى منصة استراتيجية لتحليل الأسعار والأداء والآجال والنزاعات.

ويختم بالتأكيد على أن إصلاح الصفقات العمومية ليس مجرد تعديل تقني، بل خيار سيادي يعكس صورة الدولة نفسها: هل هي دولة مترددة ومعطلة ومهووسة بالإجراءات، أم دولة قادرة على الاختيار والتقييم والإنجاز؟ ويعتبر أن تونس مطالبة اليوم بالانتقال من منطق “الشراء الأرخص” إلى “الشراء الأنجع”، لأن الدينار الذي يُصرف بحكمة أفضل من دينار يتم فقط توفيره شكليًا.