اعتبر الخبير الدولي العربي بن بوهالي أن تونس تقف اليوم أمام “فرصة ذهبية” لإنقاذ اقتصادها وإطلاق مرحلة جديدة من النمو، رغم الاضطرابات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، داعيًا إلى إصلاحات مالية ومصرفية عاجلة تقوم على تقليص العجز، وإدماج الاقتصاد الموازي، وتوجيه التمويلات نحو القطاع الخاص بدل الاكتفاء بإقراض الدولة.
وأكد بن بوهالي أن البنك المركزي التونسي بدأ بالفعل في التحرك عبر مطالبة البنوك التجارية بإعداد خطط جديدة لتمويل القطاع الخاص وتحريك عجلة الاقتصاد، غير أن الأزمة الحقيقية – وفق تقديره – لا تكمن في البنوك نفسها، بل في السياسة المالية للدولة والاعتماد المكثف على الاقتراض الداخلي.
وأوضح أن الحكومة التونسية اقترضت خلال سنة 2025 أكثر من 33 مليار دينار من البنوك، في وقت تعاني فيه هذه المؤسسات من قروض متعثرة تناهز 19 مليار دينار، إضافة إلى وجود نحو 28 مليار دينار متداولة خارج المنظومة المصرفية، وهو ما تسبب في أزمة سيولة حادة حدّت من قدرة البنوك على تمويل المؤسسات الخاصة.
الاقتصاد الموازي والدعم.. “قلب الأزمة”
ويرى الخبير الدولي أن إصلاح المالية العمومية يجب أن يبدأ بمعالجة الاقتصاد الموازي الذي يمثل – بحسب تقديراته – نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتسبب في خسائر ضريبية سنوية تقارب 12 مليار دينار.
واقترح في هذا السياق اعتماد رقم جبائي موحد لكل المواطنين وربطه بحساب مصرفي، بما يسمح بإدماج النشاط الاقتصادي غير الرسمي داخل الدورة المالية الرسمية، وتقليص حجم الاقتصاد الموازي إلى حدود 10% خلال ثلاث سنوات.
كما دعا إلى إصلاح منظومة الدعم تدريجيًا عبر تحويله من دعم للمواد والطاقة إلى تحويلات نقدية مباشرة موجهة للعائلات محدودة الدخل، على غرار ما تعتمده عدة دول صناعية وأفريقية.
وأشار إلى أن الحكومة تستطيع، من خلال هذه الإجراءات، توفير نحو 5 مليارات دينار من نفقات الدعم، بالتوازي مع تحسين القدرة الشرائية للعائلات الفقيرة عبر منح مالية مباشرة.
“خطة مارشال” لتونس
واقترح بن بوهالي إطلاق ما وصفه بـ”خطة مارشال مصغرة” بقيمة تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، موجهة لدعم احتياطي العملة الأجنبية وتمويل واردات الطاقة والقمح والمواد الأساسية.
وشدد على أن الاقتصاد التونسي يحتاج إلى العملات الأجنبية أكثر من حاجته إلى الدينار، قائلاً إن “الدينار يمكن طباعته، لكن لا يمكن طباعة النفط أو الغاز أو القمح”.
كما اعتبر أن الحرب الأمريكية الإيرانية قد تؤدي إلى تفاقم الضغوط على المالية العمومية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، متوقعًا أن يصل عجز الميزانية إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2026.
إصلاح المؤسسات العمومية عبر البورصة
وفي جانب آخر من مقترحاته، دعا الخبير الاقتصادي إلى استغلال السيولة المتوفرة في بورصة تونس لإعادة هيكلة المؤسسات العمومية وتحسين حوكمتها وربحيتها، من خلال فتح جزء من رأسمالها للمستثمرين.
واقترح ضخ استثمارات جديدة في عدد من المؤسسات العمومية الكبرى، من بينها:
- إيتاب بهدف تطوير أنشطة استكشاف النفط والغاز في ليبيا والجزائر.
- الشركة التونسية للكهرباء والغاز للاستثمار في الطاقات المتجددة وتقليص العجز الطاقي.
- الشركة التونسية لصناعات التكرير لتطوير مصفاة بنزرت ورفع طاقة التكرير.
- شركة فسفاط قفصة عبر رفع الإنتاج وإبرام عقود تصدير طويلة المدى مع الصين والهند وإندونيسيا.
- اتصالات تونس لإنشاء مراكز بيانات رقمية ضخمة موجهة للأسواق الأوروبية.
- البنوك العمومية البنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان بهدف دعم القطاع السياحي ومعالجة أزمة الديون المتعثرة والفنادق المغلقة.
دعوة للتعاون مع صندوق النقد الدولي
وأكد بن بوهالي أن تونس لا تملك خيارًا سوى التوصل إلى اتفاق تمويل جديد مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويلات تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار بفوائد منخفضة، بما يسمح بدعم احتياطي النقد الأجنبي وتحسين التصنيف السيادي لتونس ومواجهة التضخم المستورد.
وختم الخبير الدولي تصوره بالتأكيد على أن نجاح هذه الإصلاحات سيؤدي إلى تقوية الدينار، وتقليص العجز التجاري والمالي، وخلق آلاف مواطن الشغل، وتحويل البنوك التجارية من ممول للدولة إلى محرك فعلي للاستثمار والنمو الاقتصادي.



