الرئيسية الاستثمار منافسة شرسة بين باريس وروما على الكعكة التونسية

منافسة شرسة بين باريس وروما على الكعكة التونسية

0
1097
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

تكشف البيانات الاقتصادية لعام 2026 عن تصاعد حدة التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين إيطاليا وفرنسا في تونس، حيث نجحت روما في انتزاع صدارة الموردين للسوق التونسية، بينما تحاول باريس الحفاظ على نفوذها كشريك تجاري أول. تمثل « خطة ماتي » الإيطالية وحجم التبادل التجاري البالغ 6.5 مليار يورو تحدياً مباشراً للمصالح التقليدية الفرنسية، مما يمنح تونس فرصة استراتيجية لتنويع شراكاتها عبر بوابة شمال إفريقيا.

تتحول الجمهورية التونسية اليوم إلى « ساحة حرب  » اقتصادية ودبلوماسية باردة وغير معلنة بين قوتين أوروبيتين تقليديتين: فرنسا وإيطاليا. هذا الصراع الصامت لا يرتبط فقط بالتاريخ، بل تدفعه أرقام تجارية ضخمة واستراتيجيات جيوسياسية معقدة تبحث فيها روما عن التوسع، وتكافح فيها باريس للحفاظ على نفوذها التقليدي.

إليكم تفكيكاً لأبعاد هذه المنافسة الشرسة:

1. معركة الأرقام: من يهيمن على الميزان التجاري؟

تُظهر المؤشرات الاقتصادية الأخيرة لعامي 2025 و2026 أن إيطاليا نجحت في سحب البساط جزئياً من تحت أقدام فرنسا.

  • روما المزوّد الأول: تثبّت إيطاليا موقعها كأول مصدّر ومزوّد للسوق التونسية بحجم تبادل تجاوز 6.5 مليارات يورو، متفوقة على فرنسا التي تراجعت للمرتبة الثانية كـ »مُصدّر ».
  • باريس المستهلك الأكبر: في المقابل، تظل فرنسا الشريك التجاري الإجمالي الأول والزبون الأكبر تزامناً مع استيعابها لأكثر من 22% من الصادرات التونسية، متبوعة بإيطاليا.
    هذا الانقسام (إيطاليا تبيع أكثر، وفرنسا تشتري أكثر) يضع تونس في قلب توازن دقيق ومنافسة تجارية يومية بين روما وباريس.

2. خطة « ماتي » الإيطالية مقابل النفوذ الفرنسي التقليدي

تحت قيادة حكومة جورجيا ميلوني، اعتمدت إيطاليا « خطة ماتي » الخاصة بإفريقيا، والتي تمثل تونس حجر الزاوية فيها. تهدف روما من خلال هذه الخطة إلى:

  • تحويل تونس إلى مركز طاقة إقليمي (مثل مشروع الربط الكهربائي العابر للبحر المتوسط « ألماد »).
  • ضخ استثمارات ضخمة عبر أكثر من 1000 شركة إيطالية توظف 85 ألف تونسي، لتثبيت وجودها على الأرض.

هذا التحرك الإيطالي السريع أثار قلق باريس، التي ترى في تونس منطقة نفوذ تاريخي وثقافي (فرنكوفوني) خالص، مما دفع الدبلوماسية الفرنسية إلى إعادة ترتيب أوراقها الاستثمارية لضمان عدم خسارة الشركات الفرنسية الكبرى لمشاريع البنية التحتية والاتصالات.

3. ملف الهجرة: المحرك الأساسي للمنافسة

لا يمكن فصل الصراع الاقتصادي عن الهاجس الأمني؛ فإيطاليا تعتبر تونس خط الدفاع الأول لمنع تدفقات الهجرة غير النظامية نحو السواحل الأوروبية. لذلك، تقدم روما مساعدات مالية وقروضاً مباشرة ومنحاً دراسية وتدريبية للشباب التونسي بمعدلات تفوق فرنسا مؤخراً، لكسب ود القرار السياسي التونسي وضمان التنسيق الأمني العالي.

4. تونس: البوابة نحو العمق الإفريقي

الصراع بين باريس وروما يتجاوز جغرافية تونس الضيقة. ترى إيطاليا في تونس « السوق الأولى لصادراتها إلى إفريقيا » ومنصة انطلاق نحو الأسواق الواعدة في إفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدة من انضمام تونس لاتفاقيات تجارية قارية مثل « الكوميسا » والمنطقة الحرة الإفريقية . في الوقت نفسه، تحاول فرنسا التشبث بتونس لتعويض جزء من نفوذها الذي انحسر وتراجع بشكل حاد في دول غرب إفريقيا والساحل.

خلاصة: رابحون وخاسرون

المنافسة الشرسة بين باريس وروما تمنح تونس فرصة استراتيجية لتنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقطب أوروبي واحد. ومع تسارع وتيرة التبادل التجاري في الربع الأول من عام 2026، يبدو أن إيطاليا تتقدم بخطى ثابتة مستغلةً تراجعاً فرنسياً نسبياً، لكن باريس لن تستسلم بسهولة في سوق تعتبرها تاريخياً « حديقتها الخلفية ».