الرئيسية أخبار تونس صانع المحتوى الفرنسي أدريس أبركان يلاحق القضاء السويسري في تونس

صانع المحتوى الفرنسي أدريس أبركان يلاحق القضاء السويسري في تونس

0
2102
أدريس أبركان
أدريس أبركان

بعد سنوات من الجدل حول مسيرته الأكاديمية وخطابه الإعلامي، وجد أدريس أبركان نفسه في قلب قضية جنائية مالية مرتبطة بشركته السويسرية جي بيونيكس، وهي القضية التي انتهت بإدانته بالسجن 24 شهراً مع وقف التنفيذ من قبل المحكمة الجنائية في كانتون نيوشاتل السويسري.

لكن أبركان يرفض الاعتراف بالرواية الرسمية، ويعتبر نفسه ضحية “استهداف سياسي وقضائي”، لينقل معركته من سويسرا إلى باريس… ثم إلى تونس.

من هو إدريس أبركان؟

برز أبركان خلال السنوات الماضية كأحد أشهر الوجوه الفرنكوفونية في مجالات التنمية الذاتية والذكاء البشري واقتصاد المعرفة، مستفيداً من حضوره القوي على المنصات الرقمية ومشاركاته التلفزية والمحاضرات الدولية.

وقد قدّم نفسه دائماً باعتباره باحثاً متعدد الاختصاصات وصاحب “ثلاث شهادات دكتوراه”، كما راكم جمهوراً واسعاً في العالم العربي، خاصة بعد تبنيه خطاباً ناقداً للمؤسسات الغربية والإعلام التقليدي.

غير أن هذه الصورة بدأت تتصدع تدريجياً بعد تقارير صحفية فرنسية وسويسرية تحدثت عن “مبالغات أكاديمية” وشبهات انتحال في بعض أعماله العلمية، وصولاً إلى انفجار قضية شركة جي بيونيكس.

حلم علمي انتهى بالإفلاس

تمثل شركة جي بيونيكس جوهر الصراع القضائي الحالي.

تأسست الشركة في كانتون نيوشاتل السويسري كمشروع تكنولوجي طموح يهدف إلى تطوير أطراف صناعية ذكية يمكن التحكم فيها عبر إشارات الدماغ، وهو مشروع قُدّم حينها باعتباره ثورة في مجال علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي.

واعتمدت الشركة على خطاب علمي وتسويقي ضخم جذب مستثمرين وشركاء وممولين، خاصة مع شهرة أبركان الإعلامية.

لكن المشروع لم ينجح في التحول إلى منتج تجاري فعلي، قبل أن تنهار الشركة مالياً وتُعلن إفلاسها رسمياً سنة 2021.

ماذا اكتشف القضاء السويسري؟

بعد الإفلاس، فتحت السلطات السويسرية تحقيقات مالية انتهت إلى اتهام أبركان بـ”الإدارة غير الأمينة” و”تزوير وثائق مالية”.

وبحسب رواية الادعاء السويسري، فإن أبركان قام بتحويل أموال من خزينة الشركة لاستخدامها في نفقات شخصية، بينها:

  • تسديد ضرائبه الخاصة في فرنسا
  • دفع تكاليف الإيجار والمعيشة
  • تغطية مصاريف شخصية مختلفة

وتقدر الأموال محل النزاع بحوالي 650 ألف فرنك سويسري.

كما اتهمه القضاء بإصدار فواتير ومستندات وُصفت بأنها “غير دقيقة أو وهمية” لتبرير خروج هذه الأموال من حسابات الشركة.

المحكمة الجنائية في نيوشاتل شددت العقوبة مقارنة بالحكم الابتدائي، وقضت بسجنه 24 شهراً مع وقف التنفيذ، معتبرة أن القضية لا تتعلق بخطأ إداري بسيط، بل بسوء تصرف متعمد في أموال الشركة والمستثمرين.

تعليقات قاسية من المحكمة السويسرية

الحكم القضائي لم يقتصر على العقوبة فقط، بل تضمن أيضاً تعليقات لافتة من القضاة تجاه شخصية أبركان وسلوكه.

ومن بين ما ورد في القرار القضائي أن المتهم “تصرف بعزيمة كاملة لتحقيق مصلحته الشخصية”، كما تحدثت المحكمة عن “انفصال عن الواقع” في طريقة إدارته للملف.

ويرى مراقبون أن هذه العبارات تعكس قناعة القضاء السويسري بأن الملف يتعلق بقضية مالية جنائية واضحة، لا بخلاف إداري أو سوء تفاهم محاسبي.

أبركان يرد: “أنا ضحية استهداف سياسي”

في المقابل، يرفض أبركان بشكل كامل رواية القضاء السويسري.

ويؤكد أن الأموال التي دارت حولها القضية كانت في الأصل ناتجة عن مداخيله الشخصية من المحاضرات وحقوق التأليف، وأنه ضخها بنفسه داخل الشركة لتمويل المشاريع ودفع أجور الموظفين.

كما يتهم شريكين سابقين له بالوقوف وراء ما يعتبره “مؤامرة داخلية” انتهت بتحويل نزاع تجاري إلى قضية جنائية.

وتقول الرواية المدافعة عنه إن الشريكين السابقين غادرا الشركة بعد خلافات داخلية، قبل أن يتقدما بشكاوى قضائية أدت لاحقاً إلى فتح التحقيقات.

تونس تدخل على الخط

التحول اللافت في القضية كان ظهور تونس ضمن هذا النزاع القضائي الدولي.

وبحسب المعطيات التي قدمها أبركان وفريق دفاعه، فإن الشكوى التونسية ليست جديدة، بل تعود إلى سنة 2020، أي قبل الحكم السويسري الأخير وقبل التصعيد القضائي والإعلامي الحالي.

ويؤكد أبركان أن السلطات التونسية تعاملت بجدية مع الملف، وأصدرت في وقت سابق إنابة قضائية دولية موجهة إلى سويسرا، وهو ما يعتبره فريق دفاعه عنصراً أساسياً في تطور القضية لاحقاً داخل القضاء السويسري.

ويرى أبركان أن تشديد العقوبة في مرحلة الاستئناف، بعد أن كان الحكم الابتدائي يقتصر على غرامة مع وقف التنفيذ، جاء في سياق التفاعل مع التحركات القضائية التونسية والدولية.

كما يشير فريقه القانوني إلى أن الاتهامات التي يطرحها في تونس تتعلق بجرائم يعتبرها “أكثر خطورة” من الملف المالي السويسري نفسه، من بينها:

  • التدليس في وثائق رسمية
  • التحيل القضائي
  • تكوين وفاق منظم للتلاعب بالإجراءات القضائية
دعوى فرنسية تسبق الحكم السويسري

بالتوازي مع تحركه في تونس، فتح أبركان جبهة ثانية في فرنسا.

وبحسب تصريحاته، فإن الشكوى الفرنسية لا تعود إلى ما بعد الحكم السويسري، بل تم إيداعها سنة 2024، أي قبل صدور قرار الاستئناف الأخير.

وتستهدف الدعوى المدعي العام السويسري بيار أوبار، حيث يتهمه فريق الدفاع باستخدام وثائق “مزورة أو معدلة” خلال الإجراءات القضائية.

وتشمل الاتهامات التي يلوّح بها فريقه القانوني:

  • التزوير في وثائق رسمية
  • الاحتيال القضائي
  • تضليل المحكمة للحصول على حكم قضائي

ورغم أن هذه الاتهامات تبقى حتى الآن في إطار رواية الدفاع ولم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي، فإنها تعكس استراتيجية هجومية تهدف إلى التشكيك في شرعية الإجراءات السويسرية نفسها.

معركة إعلامية لا تقل شراسة

القضية لم تبق داخل المحاكم فقط، بل تحولت إلى حرب مفتوحة على شبكات التواصل الاجتماعي.

فقد أعاد أبركان نشر تدوينات لمؤيديه اعتبرت أن القضاء السويسري يستهدفه بسبب مواقفه الفكرية والسياسية، ووصفت الحكم بأنه “إدانة سياسية”.

ومن بين أبرز الأصوات المدافعة عنه الناشطة الفرنسية أميلي اسماعيلي التي اعتبرت أن الأموال موضوع القضية كانت أصلاً من أموال أبركان الشخصية، وأن الشركة كانت تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات كتبه ومحاضراته.

في المقابل، يرى منتقدوه أن هذه الرواية تهدف إلى تحويل قضية مالية بحتة إلى قضية “حريات وحقوق إنسان”، بهدف كسب التعاطف الشعبي والإعلامي.

الجدل الأكاديمي… وملف “الانتحال”

بالتزامن مع الحكم السويسري، عاد الجدل القديم حول المسار الأكاديمي لأبركان إلى الواجهة.

غير أن أبركان ينفي وجود أي إجراء تأديبي أو جامعي رسمي يثبت قانونياً تهمة “الانتحال الأكاديمي”، مؤكداً أنه لم تُفتح بحقه حتى الآن أي هيئة تأديبية جامعية مختصة، وهي الجهة التي يعتبرها ضرورية قانونياً لإثبات مثل هذه الاتهامات.

كما يشير إلى أن مجلة L’Express، التي كانت من أبرز المصادر الإعلامية التي تناولت هذه الاتهامات، تواجه بدورها إجراءات قضائية في باريس وفق رواية فريق دفاعه.

في المقابل، ما تزال وسائل إعلام فرنسية وسويسرية تعيد التذكير بالجدل الأكاديمي المحيط بأبركان كلما عاد اسمه إلى واجهة الأحداث القضائية.

ماذا بعد؟

حتى الآن، لا يبدو أن القضية تقترب من نهايتها.

أبركان يلوّح باللجوء إلى European Court of Human Rights، بينما يتمسك القضاء السويسري بروايته القائمة على وجود تجاوزات مالية واضحة داخل شركة جي بيونيكس.

وفي الأثناء، تحولت تونس إلى محطة أساسية في هذا الصراع القضائي المعقد، الذي يمزج بين التكنولوجيا، المال، الإعلام، والسياسة.