في الوقت الذي تعيش فيه تونس على وقع موجة حرّ غير مسبوقة، وفيما تتعالى أصوات الغضب بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، هناك فرق من أعوان الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) تعمل في صمت، تحت درجات حرارة قاسية، بعيدًا عن الأضواء، من أجل إعادة النور إلى آلاف المنازل.
في حي الصحافيين بالغزالة، كانت الصورة مختلفة عن مجرد « انقطاع كهرباء ». كانت قصة تعب وتضحية يعيشها أعوان الستاغ على الميدان. ثلاثة أعوان التقتهم المنطقة، أخبروا أنهم لم يروا عائلاتهم منذ ليلة أمس، ولم يذوقوا طعم النوم منذ انطلاق موجة الحرّ، بعدما تحولت الأعطاب المتتالية إلى سباق مع الزمن لإنقاذ الشبكة وإعادة التيار إلى المواطنين.
ففي أحد أحياء الغزالة، احترق محول كهربائي كبير بالكامل، ما تسبب في انقطاع التيار منذ منتصف النهار عن عدد من المناطق، واستمر العطب لساعات طويلة. لكن خلف هذا الانقطاع كانت هناك فرق تشتغل في ظروف صعبة، تحت حرارة خانقة، وبإمكانيات محدودة، من أجل إصلاح العطب.
منذ الساعة السادسة مساءً، التحقت فرق الستاغ بنهج سوسة، وبدأت عملية التدخل. وبعد ساعات من العمل المتواصل، تم تركيب محول جديد من نوع ساكام، واستمر العمل إلى حدود الساعة الثالثة صباحًا، دون توقف، حتى تمت إعادة تشغيل الشبكة.
وفي صباح اليوم التالي، كان الأعوان مجددًا في المكان نفسه، يواصلون تركيب التوصيلات النهائية ومراقبة التجهيزات، قبل أن يعود التيار الكهربائي بشكل طبيعي إلى الحرفاء في عدد من الأحياء، ومنها حي الصحافيين، في حدود السابعة مساء .
هذه ليست حالة معزولة، بل مشهد يتكرر في مختلف الأحياء التونسية وعلى كامل تراب الجمهورية خلال هذه الفترة الاستثنائية. فرق تعمل ليلًا ونهارًا، بين حرارة مرتفعة وضغط متزايد على الشبكة، لمواجهة أعطاب تفوق أحيانًا قدرة التجهيزات المتوفرة.
قد تكون هناك أسئلة مشروعة حول وضعية قطاع الكهرباء، وحول الاستثمارات والصيانة وقدرة الشبكة على مواجهة الطلب المتزايد، لكن كلمة حق يجب أن تقال أيضًا: أعوان الستاغ الذين يوجدون اليوم في الميدان ليسوا سبب الأزمة، بل هم في الصف الأول لمواجهتها.
هم الذين يتركون عائلاتهم، ويقضون ساعات طويلة دون نوم، ويعملون تحت الشمس وفي الليل، حتى تعود الكهرباء إلى البيوت.
في زمن الانقطاعات، هناك من يعيش الظلام داخل منزله… وهناك من يبقى مستيقظًا طوال الليل حتى يعيد إليه النور.
