رغم تصاعد الدعوات الرسمية التونسية إلى مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الموقعة سنة 1995، لا يزال الإطار المؤسسي الأساسي الذي يفترض أن يحتضن هذه المراجعة يراوح مكانه، في ظل غياب اجتماعات وزارية لمجلس الشراكة منذ ماي 2019، وتعثر تحديد موعد جديد لاستئناف الحوار بين الطرفين.
وفي وقت تؤكد فيه تونس ضرورة إعادة النظر في الاتفاقية بما يضمن مزيدًا من الإنصاف والتوازن، تبرز تصريحات المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا، خلال لقائها بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي في سبتمبر الماضي، مؤشراً على أن مجلس الشراكة لا يزال يحظى بمكانة أساسية في تصور الاتحاد الأوروبي لمستقبل العلاقات مع تونس.
فقد أعربت المسؤولة الأوروبية عن وعيها بمتطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبرة عن أملها في أن يشكل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقًا لهذه العلاقة.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات بشأن إمكانية إعادة تفعيل المجلس، في وقت تتواصل فيه الدعوات التونسية إلى مراجعة الاتفاقية، من دون أن يقابلها حتى الآن مسار تفاوضي معلن بجدول زمني واضح.
مجلس الشراكة.. ما دوره؟
مجلس الشراكة التونسية الأوروبية هو الهيئة المشتركة التي أُحدثت بموجب اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1995 بين تونس والجماعات الأوروبية، وأصبح الاتحاد الأوروبي خلفًا لها في إطار تطور مؤسساته. ويضم ممثلين عن الطرفين، ويُعنى بمتابعة تنفيذ الاتفاقية وتقييم العلاقات الثنائية والنظر في المسائل السياسية والاقتصادية والتجارية المرتبطة بها.
ويتيح المجلس للطرفين إجراء حوار على المستوى الوزاري، وتبادل المواقف بشأن تنفيذ الاتفاقية، واتخاذ القرارات التي تدخل ضمن صلاحياته، وفق الإجراءات المنصوص عليها في الاتفاق. ولذلك، فإن مراجعة الإطار العام للشراكة أو تطويره تقتضي حوارًا مؤسسيًا بين الجانبين، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد إعلان الرغبة السياسية في التغيير.
ولم يعقد المجلس اجتماعًا وزاريًا منذ 17 ماي 2019، وفق المعطيات المتداولة بشأن مسار العلاقات التونسية الأوروبية. كما تأجلت دورته السادسة عشرة، التي كانت مقررة في أكتوبر 2025، إلى أجل غير محدد، بطلب من تونس، وسط خلافات بشأن الشروط السياسية المرتبطة بالدعم الأوروبي، إلى جانب الحاجة إلى استكمال الملفات الفنية اللازمة للتفاوض.
وفي المقابل، تشير مواقف أوروبية إلى انتظار مقترحات تونسية مكتوبة ومحددة بشأن البنود التي ترغب في مراجعتها، بدل الاكتفاء بالمطالبة العامة باتفاقية أكثر عدلًا وتوازنًا.
علاقة اقتصادية يصعب تجاوزها
تكتسب هذه المفاوضات أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى تونس. فالأسواق الأوروبية تستوعب النسبة الأكبر من الصادرات التونسية، كما تمثل مصدرًا رئيسيًا للواردات والاستثمارات الأجنبية، وتوفر الشركات الأوروبية حضورًا مهمًا في قطاعات صناعية وتصديرية، من بينها النسيج ومكونات السيارات.
وتعني هذه المعطيات أن مراجعة الاتفاقية لا تتعلق فقط بالخلافات السياسية أو بشروط التعاون المالي، بل تمتد إلى مستقبل المبادلات التجارية وفرص الاستثمار والتشغيل، ومدى قدرة تونس على تحسين شروط نفاذ منتجاتها إلى السوق الأوروبية، مع المحافظة على مصالح مؤسساتها الاقتصادية.
ورغم الجمود الذي يطبع اجتماعات المجلس، شهد التعاون بين الطرفين خطوات تقنية، من بينها القرار رقم 1/2025 المتعلق بتحديث قواعد المنشأ، الذي صادقت عليه تونس في جانفي 2026، وفق المعطيات المقدمة بشأن الملف، بما يتيح الاستفادة من ترتيبات تجارية أكثر ملاءمة لبعض المنتجات، ولا سيما في قطاع النسيج.
في المقابل، يظل ملف الهجرة أحد أبرز محاور الحوار بين تونس والاتحاد الأوروبي، إلى جانب التعاون المالي والتجاري، وهو ما يجعل أي تفاوض جديد محاطًا بتباين في الأولويات بين الجانبين.
وبين تمسك تونس بمراجعة اتفاقية الشراكة على أسس أكثر إنصافًا، ورغبة المفوضية الأوروبية في جعل مجلس الشراكة منطلقًا لتطوير العلاقات، تبقى الخطوة الحاسمة مرتبطة بإعادة فتح قنوات الحوار الرسمية وتحديد جدول أعمال تفاوضي واضح.
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإعلان الرغبة في مراجعة اتفاقية عمرها أكثر من ثلاثة عقود، بل بقدرة الطرفين على تحويل هذه الرغبة إلى مفاوضات فعلية بشأن المصالح الاقتصادية والمالية والتجارية التي تحدد مستقبل الشراكة بينهما.
