الرئيسية أخبار تونس الأكياس البلاستيكية تسخر من القوانين… تونس تشرّع للمرة الثالثة!

الأكياس البلاستيكية تسخر من القوانين… تونس تشرّع للمرة الثالثة!

0
1548
blank

ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها تونس الحرب على الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد. فمنذ غرّة مارس 2017، انطلقت أولى خطوات منع توزيعها داخل المساحات التجارية الكبرى، وقد اعتُبر القرار آنذاك بداية تحول بيئي كبير نحو الاقتصاد المستدام.

كما أعلنت وزارة البيئة في ذلك الوقت، بقيادة الوزير رياض المؤخر، عن خطة متكاملة لإنهاء إنتاج وتوريد وتداول هذه الأكياس، مع تشجيع البدائل الصديقة للبيئة مثل الأكياس القماشية والقفف التقليدية.

ورافق ذلك خطاب رسمي متفائل اعتبر أن تونس دخلت مرحلة جديدة من التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر.

لكن بعد نحو عشر سنوات، يعود الملف مجددًا إلى مجلس نواب الشعب عبر مشروع قانون جديد، في مشهد يطرح سؤالًا محوريًا: إذا كانت تونس قد بدأت فعليًا منع الأكياس البلاستيكية منذ سنة 2017، ثم أصدرت أمرًا حكوميًا جديدًا سنة 2020، فلماذا لا تزال البلاد بحاجة إلى تشريع جديد سنة 2026؟ وهل تكمن المشكلة في نقص القوانين أم في ضعف تنفيذها؟

في انتظار إحالة مقترح القانون على اللجان المختصة بمجلس نواب الشعب وبدء مناقشته رسميًا، عاد ملف الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد إلى واجهة النقاش العام، بعد أن تقدّم 25 نائبًا بمبادرة تشريعية جديدة تهدف إلى الحد من التلوث البلاستيكي وتنظيم استعمال البدائل المستدامة. غير أنّ هذه المبادرة تطرح في المقابل تساؤلات واسعة حول مدى الحاجة إلى قانون جديد، في وقت ما تزال فيه النصوص القانونية السابقة، وعلى رأسها الأمر الحكومي الصادر سنة 2020، تعاني من ضعف واضح في التنفيذ والتطبيق، وهو ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت الإشكالية الحقيقية تكمن في نقص التشريعات أم في غياب آليات الرقابة والإنفاذ.

ويقترح النص التشريعي الجديد، المتكون من سبعة أبواب و23 فصلًا، وضع إطار قانوني أكثر صرامة يهدف إلى القضاء تدريجيًا على الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد وتعويضها ببدائل مستدامة، في إطار سياسة وطنية للحد من التلوث البلاستيكي، وحماية البيئة والصحة العامة، ودعم الاقتصاد الدائري. كما ينص المشروع على جملة من العقوبات المالية والجزائية ضد المخالفين، إلى جانب برامج لمرافقة المؤسسات الصناعية في التحول نحو إنتاج بدائل صديقة للبيئة.

ويحدد المشروع معايير فنية دقيقة للأكياس التي سيُسمح بتداولها مستقبلاً، سواء تعلق الأمر بالأكياس القابلة للتحلل البيولوجي أو القابلة لإعادة الاستعمال. فقد اشترط أن تتحلل الأكياس البيولوجية بنسبة لا تقل عن 90 بالمائة خلال ستة أشهر في بيئة صناعية أو خلال اثني عشر شهرًا في بيئة منزلية، مع منع ترك أي مخلفات من الميكروبلاستيك واحترام المواصفات الدولية المعتمدة. كما ألزم المصنعين بأن تحتوي هذه الأكياس على نسبة دنيا من المواد ذات المصدر الحيوي. أما الأكياس القابلة لإعادة الاستعمال، فقد حدد لها المشروع مواصفات تقنية من بينها ألا يقل سمكها عن خمسين ميكرونًا، وأن تتحمل وزنًا لا يقل عن عشرة كيلوغرامات مع إمكانية استعمالها في عشرين دورة على الأقل.

ويتضمن المقترح أيضًا روزنامة زمنية واضحة لإنهاء تداول الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، إذ يمنع فور دخول القانون حيز التنفيذ توزيعها مجانًا أو بمقابل عند صناديق الدفع، في حين يمنح المصنعين والموردين والموزعين والتجار مهلة لا تتجاوز اثني عشر شهرًا لوقف إنتاجها أو توريدها أو توزيعها، مع منع استخدامها في تغليف المواد الغذائية والمنتجات السائبة بعد انقضاء المهلة نفسها، باستثناء الأكياس المطابقة للمواصفات البيئية الجديدة.

كما يفرض المشروع على جميع المتدخلين في القطاع، من مصنعين وموردين وموزعين وتجار، احترام المعايير البيئية والحصول على شهادات المطابقة ووضع بيانات واضحة على المنتجات، مع إخضاع الأكياس القابلة للتحلل لاختبارات مخبرية دورية للتثبت من مطابقتها للمواصفات الفنية، على أن تتولى وزارات التجارة والبيئة والداخلية عمليات الرقابة وسحب المنتجات المخالفة من الأسواق.

وفي الجانب الاقتصادي، حاول أصحاب المبادرة مراعاة انعكاسات هذا التحول على المؤسسات الصناعية، فنص المشروع على إعداد برنامج وطني لمرافقة الصناعيين وتمكينهم من قروض ميسرة وامتيازات جبائية لتطوير خطوط إنتاج بديلة، كما تبنى مبدأ « المسؤولية الموسعة للمنتج »، الذي يحمل المنتجين مسؤولية منتجاتهم حتى بعد انتهاء فترة استعمالها، ويلزمهم بالمساهمة في تمويل منظومات جمع النفايات ومعالجتها.

أما على مستوى العقوبات، فقد جاء المشروع بأحكام صارمة، إذ تتراوح الخطايا المالية بين خمسة آلاف وخمسين ألف دينار مع إمكانية حجز المنتجات المخالفة، وتتضاعف العقوبات في حالة العود لتصل إلى غلق المحلات، إضافة إلى عقوبات سجنية تتراوح بين ستة أشهر وسنتين في حالات الإنتاج أو التوريد غير القانوني للأكياس المحظورة.

ورغم ما يتضمنه المشروع من إجراءات مشددة، فإن النقاش الذي أثاره لم يقتصر على محتواه، بل شمل أيضًا جدوى إصدار قانون جديد في ظل وجود إطار قانوني سابق لم يحقق النتائج المرجوة. فقد سبق للحكومة أن أصدرت سنة 2020 أمرًا حكوميًا يتعلق بالأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، تضمن بدوره قيودًا على الإنتاج والتوزيع والاستعمال، إلا أن تطبيقه بقي محدودًا على أرض الواقع، حيث استمرت الأكياس البلاستيكية في التداول على نطاق واسع داخل الأسواق الشعبية والمحلات الصغرى، بينما اقتصر الالتزام الفعلي إلى حد كبير على المساحات التجارية الكبرى وبعض المخابز.

ويرى متابعون أن التجربة السابقة أظهرت أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب النصوص القانونية، وإنما في ضعف الرقابة وقلة الإمكانيات المخصصة لمتابعة تنفيذها. ويعتبر هؤلاء أن إصدار قانون جديد لن يحقق أهدافه إذا لم يصاحبه جهاز رقابي فعال يطبق الأحكام على جميع المتدخلين دون استثناء، ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.

كما يثير المشروع تساؤلات اقتصادية واجتماعية تتعلق بتكلفة البدائل المقترحة. فمنذ شروع عدد من المساحات التجارية الكبرى وبعض المخابز في التخلي عن الأكياس البلاستيكية التقليدية، أصبح المستهلك هو الذي يتحمل في كثير من الأحيان تكلفة اقتناء الأكياس البديلة، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن المستفيد الاقتصادي الأول من المنظومة الحالية كان هذه المؤسسات التجارية التي تحولت الأكياس لديها من خدمة مجانية إلى منتج يباع للحريف، في حين لم يثبت بشكل واضح أن هذا التحول ساهم في تقليص النفايات البلاستيكية بالقدر المأمول.

ويشير مختصون في الشأن البيئي إلى أن نجاح أي سياسة للحد من التلوث البلاستيكي لا يتوقف فقط على سن القوانين أو تشديد العقوبات، وإنما يتطلب أيضًا توفير بدائل محلية ذات أسعار معقولة، ودعم الصناعة الوطنية، وإطلاق حملات توعية واسعة لتغيير سلوك المستهلك، بالتوازي مع تطوير منظومات فرز النفايات وإعادة التدوير، وهي حلقات ما تزال تعاني من نقائص عديدة في تونس.

وفي المحصلة، يفتح مشروع القانون الجديد بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل إدارة النفايات البلاستيكية في تونس، لكنه يعيد في الوقت نفسه طرح سؤال ظل مطروحًا منذ سنوات: هل تحتاج البلاد فعلًا إلى نصوص قانونية إضافية، أم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتطبيق القوانين الموجودة بصرامة، وتقييم نتائجها قبل المرور إلى تشريعات جديدة؟ وهو سؤال يبدو أن الإجابة عنه ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة هذا المشروع على تحقيق أهدافه البيئية والاقتصادية، أو أن ينضم بدوره إلى قائمة النصوص التي بقيت حبرًا على ورق.