حذّر حبيب بن موسى، رئيس الجامعة التونسية للمطاعم السياحية، من التداعيات المحتملة للترفيع في معاليم استهلاك المشروبات الكحولية والخمور، الذي تضمّنه الفصل 24 من مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبراً أن الزيادة الجديدة قد تدفع جزءاً من الحرفاء إلى العزوف عن المطاعم السياحية، وتوسّع في المقابل دائرة التعاملات خارج المسالك القانونية.
وأوضح بن موسى، خلال استضافته الاثنين 2 نوفمبر 2026 في برنامج «أحلى صباح»، أن الإشكال لا يتعلق بزيادة منفردة، بل بتراكم الترفيعات المتتالية خلال السنوات الأخيرة، وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار المشروبات الكحولية، سواء بالنسبة إلى المستهلك أو إلى المؤسسات التي تقدمها ضمن خدماتها.
وأضاف أن المطاعم السياحية لم تعد قادرة على استيعاب كل الزيادات في الكلفة، كما أن تمريرها بالكامل إلى الحريف من خلال الأسعار قد يؤثر في الإقبال على هذه المؤسسات، في وقت تواجه فيه القدرة الشرائية ضغوطاً متزايدة.
وتكمن إحدى المخاوف، وفق هذا الطرح، في أن يؤدي ارتفاع الأسعار في السوق المنظمة إلى تشجيع بعض المستهلكين على التزود من السوق الموازية، بما قد يحدّ من المداخيل الجبائية المنتظرة بدلاً من زيادتها.
وكانت الجامعة التونسية للمطاعم السياحية قد أثارت هذه المخاوف في تصريحات سابقة، معتبرة أن نتائج الترفيع الجبائي ينبغي أن تُقاس بما ستجنيه الدولة فعلياً، لا بمجرد الزيادة النظرية في قيمة المعاليم الموظفة على المنتجات المعنية.
ماذا تقول الأرقام عن استهلاك الكحول في تونس؟
لا تقتصر أهمية هذا الملف على المطاعم السياحية، بل تمتد إلى حجم السوق التونسية للمشروبات الكحولية، وقدرة الدولة على استخلاص الضرائب منها، ومخاطر انتقال جزء من المبيعات إلى قنوات غير خاضعة للرقابة.
وفق بيانات منظمة الصحة العالمية المنشورة عبر بوابتها الإحصائية، بلغ متوسط استهلاك الكحول في تونس سنة 2020 نحو 1.72 لتر من الكحول الصافي سنوياً للفرد البالغ 15 سنة فما فوق. وتشمل هذه المؤشرات تقديرات الاستهلاك المسجل وغير المسجل، ولا تعني أن كل فرد يستهلك هذه الكمية فعلياً.
أما على مستوى السوق، فقد أظهرت بيانات شركة صنع المشروبات بتونس لسنة 2025 ارتفاع مبيعات الجعة المحلية إلى 176.7 مليون لتر، مقابل 172.1 مليون لتر سنة 2024، أي بزيادة تقارب 2.7%. ويعطي هذا الرقم فكرة عن حجم أحد أهم أصناف المشروبات الكحولية في البلاد، لكنه لا يمثل إجمالي استهلاك الكحول، إذ لا يشمل وحده الخمور والمشروبات الروحية وغيرها.
وفي ما يتعلق بالمطاعم السياحية، تشير مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقطاع السياحة في تونس إلى أن البلاد كانت تضم 374 مطعماً سياحياً سنة 2019، تتركز نسبة كبيرة منها في تونس الكبرى ونابل والحمامات وسوسة وجربة. وهذا رقم تاريخي لا يجوز اعتباره العدد الحالي للمطاعم الناشطة في سنة 2026. OECD
ماذا يقترح الفصل 24 من مشروع قانون المالية؟
يتضمن الفصل 24 مراجعة معاليم الاستهلاك المفروضة على أصناف من المشروبات الكحولية والخمور، وفق التصنيفات الديوانية التالية:
- الجعة: المنتجات المدرجة ضمن العدد التعريفي 22.03، مع معلوم مقترح قدره 0.03 دينار للصنتلتر.
- الخمور: المنتجات المدرجة ضمن العدد 22.04، مع معلوم مقترح قدره 3 دنانير للتر.
- المشروبات الكحولية الأخرى: المنتجات المدرجة ضمن العدد 22.08، مع اعتماد نسبة 100% أو مبلغ 10 دنانير للوحدة، بحسب الصنف المعني.
ووفق ما نشرته وسائل إعلام تونسية استناداً إلى مشروع القانون، ستُوجّه المداخيل الإضافية المتأتية من هذه الإجراءات إلى حساب مخصص لتنويع مصادر تمويل الضمان الاجتماعي. ويظل الأمر مقترحاً ضمن مشروع قانون المالية، وليس من الدقة التعامل معه باعتباره إجراءً نهائياً نافذاً قبل استكمال المسار التشريعي. La Presse de
والأهم من كل هذا، أن النقاش لا يتعلق فقط بزيادة الأسعار، بل بمدى قدرة الدولة على تحقيق موارد إضافية من دون إضعاف السوق القانونية. فإذا ارتفعت الأسعار في المطاعم والمحلات المنظمة، فقد يتجه بعض المستهلكين إلى بدائل أقل كلفة، وهو ما يثير أسئلة تتعلق بالمراقبة الجبائية والسلامة الصحية ومكافحة التهريب.
ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة بالأرقام: كم ستجني الدولة فعلياً من هذه الزيادة، بعد احتساب أثرها المحتمل في حجم المبيعات؟ لا تتوفر في المعطيات المنشورة التي أمكن التثبت منها محاكاة رسمية شاملة تجيب عن هذا السؤال، كما لم يتسنّ التثبت من رقم حديث موحد لإجمالي استهلاك التونسيين لجميع أصناف الكحول أو العدد الحالي للمطاعم السياحية.
