لم تعد الاضطرابات التي تضرب طرق الملاحة الدولية بعيدة عن الاقتصاد التونسي. فمع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ ماي، واستمرار المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، بدأت كلفة النقل البحري والطاقة والتأمين تتحول إلى مصدر ضغط جديد على سلاسل التوريد، وسط مخاوف من انعكاسها تدريجياً على أسعار المواد المستوردة في تونس.
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري لتأمين وارداته، بينما أظهرت آخر بيانات التضخم ارتفاع نسبة التضخم إلى 5.4 بالمائة في أوت 2026 مقابل 5.1 بالمائة في جويلية، مع استمرار الضغط القوي من أسعار المواد الغذائية.
هرمز يدخل مرحلة جديدة من الاضطراب
المؤشر الأكثر إثارة للقلق يأتي من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
ووفق بيانات نقلتها وكالة رويترز عن شركة كيبلر، تراجع متوسط عدد سفن السلع التي تعبر المضيق خلال الأيام العشرة الأخيرة إلى نحو 10 سفن يومياً، وهو أدنى مستوى منذ ماي، في وقت كانت فيه حركة الملاحة قبل الأزمة أعلى بكثير.
كما سجلت حركة السفن عبر باب المندب تراجعاً أيضاً، بما يعكس اتساع المخاطر التي تواجه شركات النقل البحري في المنطقة.
وهذه التطورات لا تعني فقط تأخير وصول السفن، بل تفرض على الناقلين إعادة حساب تكلفة كل رحلة: وقود إضافي، مسارات أطول، تأمين أعلى، ومخاطر أكبر.
أزمة جديدة اسمها وقود السفن
في تطور قد تكون له تداعيات مباشرة على أسعار الشحن، حذرت أحدث المعطيات من نقص متوقع في زيت الوقود المستخدم للسفن خلال الربع الثالث من سنة 2026.
وتتوقع تقديرات السوق أن يصل العجز العالمي إلى نحو 218 ألف برميل يومياً، مقابل عجز هامشي لم يتجاوز 6 آلاف برميل يومياً قبل عام.
والسبب أن عدداً من المصافي العالمية بات يعطي الأولوية لإنتاج الديزل والبنزين، في وقت أدت فيه الاضطرابات الجيوسياسية إلى تقليص عمليات التكرير وتدفقات النفط.
وفي سنغافورة، أحد أكبر مراكز تموين السفن في العالم، ارتفع سعر الوقود البحري منخفض الكبريت بنحو 76 بالمائة منذ اندلاع الحرب مع إيران، وفق بيانات أوردتها رويترز، في حين ارتفع خام برنت بنسبة أقل.
وهنا تبدأ الحلقة التي تهم تونس مباشرة:
وقود أغلى → رحلة بحرية أغلى → شحن أغلى → واردات أغلى.
الحاوية التونسية تحت ضغط ثلاثة عوامل
بالنسبة إلى المستورد التونسي، لم يعد ارتفاع سعر النقل البحري مرتبطاً بعامل واحد.
هناك أولاً سعر الشحن الأساسي، ثم هناك رسوم إضافية مرتبطة بالمخاطر الأمنية، وأخيراً كلفة الوقود والتأمين.
وفي بعض المسارات العالمية، بدأت شركات الملاحة بالفعل في فرض رسوم استثنائية مرتبطة بالمخاطر في البحر الأحمر والشرق الأوسط، فيما أدى استمرار الاضطرابات إلى ارتفاع أسعار الشحن على عدد من الخطوط.
كما أن إعادة توجيه السفن بعيداً عن المناطق الخطرة تعني في العديد من الحالات رحلات أطول حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف أياماً إلى الرحلة ويزيد استهلاك الوقود وكلفة تشغيل السفينة.
وقد أظهرت أسواق الشحن العالمية خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً في أسعار نقل الحاويات بالتزامن مع ارتفاع كلفة الوقود واضطرابات الملاحة.
لماذا يهم الأمر تونس؟
تونس ليست دولة عبور كبرى، لكنها دولة تعتمد بشكل واسع على التجارة البحرية لتأمين احتياجاتها من الخارج.
ولهذا فإن أي زيادة مستمرة في كلفة النقل البحري يمكن أن تتحول إلى تكلفة إضافية على المستوردين، خصوصاً بالنسبة إلى المواد التي تأتي من مسافات بعيدة والتي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس أو ترتبط بشكل مباشر بتجارة الطاقة.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع الشحن سيظهر فوراً وبالنسبة نفسها على سعر المنتج في السوق التونسية.
فالمستورد يمكن أن يمتص جزءاً من الزيادة من هامش الربح، كما أن الدولة يمكن أن تتحمل جزءاً من الزيادة بالنسبة إلى بعض المواد الأساسية، في حين تتأثر أسعار منتجات أخرى بعوامل مختلفة مثل سعر الصرف والأسعار العالمية والضرائب وكلفة التوزيع.
لكن الخطر يبدأ عندما لا تكون الزيادة مؤقتة.
التضخم التونسي يدخل المعادلة
ارتفاع كلفة الشحن يأتي في وقت سجل فيه التضخم التونسي عودة إلى الصعود.
فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في أوت إلى 5.4 بالمائة بعد أن كان 5.1 بالمائة في جويلية.
والأكثر حساسية أن المواد الغذائية تواصل الضغط على القدرة الشرائية، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف النقل والطاقة ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى السوق التونسية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالمواد الغذائية الجاهزة.
فكلفة الشحن تدخل أيضاً في أسعار المواد الأولية، وقطع الغيار، والتجهيزات، والمواد المستخدمة في الصناعة، وبالتالي يمكن أن تنتقل الزيادة من الميناء إلى المصنع ثم إلى شبكة التوزيع وصولاً إلى المستهلك.
الخطر الأكبر: المواد الأساسية
أكثر ما يثير القلق هو احتمال تزامن ارتفاع كلفة الشحن مع ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب أسواق الحبوب والمواد الأولية.
فإذا ارتفعت في الوقت نفسه كلفة النقل البحري، وسعر وقود السفن، والتأمين، وأسعار النفط أو بعض السلع الأساسية، فإن المستورد التونسي سيواجه صدمة مركبة وليس مجرد زيادة في فاتورة الشحن.
وهذه هي النقطة التي تستحق المتابعة خلال الأسابيع المقبلة.
فارتفاع الشحن وحده قد يكون قابلاً للامتصاص.
أما ارتفاع الشحن بالتزامن مع ارتفاع الطاقة والسلع الأساسية، فإنه يمكن أن يتحول إلى عامل تضخمي حقيقي.
تونس أمام فاتورة بحرية جديدة؟
المشهد الدولي يقول إن أزمة الملاحة لم تعد مرتبطة بالبحر الأحمر وحده.
فمضيق هرمز أصبح نقطة ضغط إضافية على حركة التجارة والطاقة، فيما تظل طرق البحر الأحمر معرضة للمخاطر الأمنية، وتتعرض سوق وقود السفن لضغوط جديدة.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت كلفة تشغيل السفن والتأمين وإعادة توجيه الرحلات.
وبالنسبة إلى تونس، فإن السؤال لم يعد فقط: كم تبلغ كلفة نقل الحاوية؟
بل أصبح:
من سيدفع الفاتورة في النهاية؟
المستورد؟
الصناعي؟
الدولة؟
أم المستهلك التونسي؟
حتى الآن، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن تونس دخلت موجة تضخمية جديدة بسبب الشحن البحري وحده. لكن ارتفاع التضخم إلى 5.4 بالمائة في أوت، بالتزامن مع استمرار اضطرابات الملاحة العالمية وارتفاع وقود السفن، يجعل كلفة النقل البحري عاملاً جديداً يجب مراقبته عن قرب في معادلة الأسعار التونسية.
وإذا استمرت أزمة الملاحة والطاقة خلال الخريف، فقد لا تبقى تداعياتها محصورة في الموانئ وشركات النقل، بل يمكن أن تصل تدريجياً إلى فاتورة الاستيراد، وكلفة الإنتاج، ثم إلى جيب المواطن التونسي.
