الرئيسيةأخبار تونسوزير التشغيل: هدفنا من الشركات الأهلية ليس التشغيل فقط.. بل تثبيت السكان...

وزير التشغيل: هدفنا من الشركات الأهلية ليس التشغيل فقط.. بل تثبيت السكان في مناطقهم

كشف وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد عن وجود توجه لإحداث 1200 شركة أهلية جديدة في مختلف جهات البلاد، في خطوة تعكس رغبة السلطة في توسيع هذا النموذج الاقتصادي وتحويله من تجربة محدودة إلى أحد مكونات الاقتصاد التونسي.

وأكد الوزير أن مصالح الوزارة بدأت، استنادًا إلى الأرقام الواردة إليها، تلمس أثرًا إيجابيًا للشركات الأهلية في خلق مواطن الشغل ودفع التنمية المحلية، مشددًا على أن دور هذه الشركات لا يقتصر على التشغيل، بل يمتد إلى تثبيت السكان في مناطقهم والحد من الهجرة الداخلية والخارجية.

لكن وراء هذا الإعلان الطموح توجد أرقام تكشف في الوقت نفسه عن مرحلة دقيقة في مسار الشركات الأهلية: مرحلة الانتقال من التأسيس إلى النشاط الاقتصادي الفعلي.

270 شركة قائمة.. وألف أخرى في الطريق

ووفق أحدث المعطيات المنشورة في أوت 2026، بلغ عدد الشركات الأهلية القانونية في تونس نحو 270 شركة، في حين توجد قرابة ألف شركة أخرى في طور الإنشاء.

وهذا يعني أن الدولة لا تتحدث فقط عن بعث شركات جديدة، بل عن توسيع قاعدة تجربة ما تزال في بداياتها، مع وجود كتلة كبيرة من المبادرات التي لم تصل بعد إلى مرحلة التأسيس النهائي والنشاط الاقتصادي.

وكانت وزارة التشغيل قد أعلنت في أوت 2025 أن عدد الشركات الأهلية المتحصلة على المعرف الجبائي والمسجلة بالسجل الوطني للمؤسسات بلغ 255 شركة، من بينها 55 شركة دخلت طور النشاط الفعلي، فيما ارتفع عدد المشاركين في هذه الشركات من نحو 4000 شخص في سبتمبر 2024 إلى 16550 مشاركًا في أوت 2025.

وفي أكتوبر 2025، ارتفع العدد المعلن إلى 230 شركة محدثة، منها 60 شركة دخلت طور النشاط الفعلي، قبل أن تؤكد الوزارة في نوفمبر أن هذه الشركات الناشطة أحدثت نحو 380 موطن شغل جديد.

380 موطن شغل.. الرقم الذي يكشف حجم التجربة

ورغم أن 380 موطن شغل يمثل نتيجة إيجابية بالنسبة إلى تجربة اقتصادية ناشئة، فإن الرقم يكشف أيضًا عن حجم التحدي الذي ينتظر الشركات الأهلية.

فعدد الشركات التي كانت قد دخلت النشاط الفعلي في نوفمبر 2025 بلغ 60 شركة، وهو ما يعني معدلًا في حدود 6 مواطن شغل لكل شركة ناشطة تقريبًا.

وهنا تبرز المسألة الأساسية: هل تستطيع الشركات الأهلية الانتقال من مشاريع محلية محدودة إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على خلق عشرات أو مئات مواطن الشغل، وتحقيق رقم معاملات ومداخيل مستدامة؟

حتى الآن، لا تتوفر في المعطيات الرسمية المنشورة بشكل شامل أرقام وطنية حديثة حول رقم معاملات الشركات الأهلية وأرباحها ومساهمتها الجبائية، وهو ما يجعل تقييم مردوديتها الاقتصادية الكاملة ما يزال مبكرًا.

التمويل.. العقدة التي عطلت الانطلاقة

ولم يكن التمويل بعيدًا عن الصعوبات التي واجهت هذه التجربة.

ففي مارس 2026 أعلن وزير التشغيل تخصيص اعتمادات تناهز 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2026، مع إبرام اتفاقيات مع عدد من البنوك العمومية والخاصة لتمكين هذه الشركات من التمويل بشروط تفاضلية.

وكان عدد الشركات التي حصلت على تمويل فعلي إلى حدود ديسمبر 2025 قد بلغ 63 شركة، إضافة إلى إسناد 39 إشعار تمويل، وفق معطيات قدمها الوزير إلى مجلس نواب الشعب.

كما بلغ عدد الشركات الحاصلة على إشعار بالتمويل 88 شركة في نوفمبر 2025، وهو ما يعكس محاولة الانتقال التدريجي من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستثمار الفعلي.

الفلاحة في المقدمة

وتكشف التجربة المتراكمة أن الفلاحة والصيد البحري وتربية الماشية تمثل القطاع الأبرز في الشركات الأهلية، وهو أمر منطقي بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد المحلي في عدد كبير من المناطق الداخلية.

وتشير معطيات سابقة إلى أن نحو 145 شركة من أصل 230 شركة كانت تنشط في الفلاحة والصيد البحري وتربية الماشية، بينما توزعت بقية الشركات على قطاعات مثل النقل والخدمات والصناعة والتحويل والثقافة والرياضة والسياحة وتثمين المنتجات المحلية والغابية.

وهنا يمكن أن تتحول الشركات الأهلية، إذا نجحت في تجاوز مشاكل التمويل والعقار والتصرف والتسويق، إلى آلية لاستغلال موارد محلية كانت غير مستغلة بالشكل الكافي.

من النقل الفلاحي إلى تثمين المنتجات المحلية

التجربة لم تعد نظرية بالكامل.

فقد دخلت بعض الشركات الأهلية بالفعل مرحلة النشاط، من بينها الشركة الأهلية المحلية العبادلة للنقل بسبيطلة التي كانت أول شركة من نوعها تدخل النشاط الفعلي في مجال النقل الفلاحي المنظم، بهدف توفير نقل قانوني ومنظم للعمال والفلاحين.

كما برزت تجارب أخرى في المجال الفلاحي وتثمين المنتجات الغابية، من بينها الشركة الأهلية الجهوية للمنتوجات الغابية والفلاحية «ريتاج» بالفحص التي حققت إنتاجًا تجاوز 28 طنًا من الخروب على مساحة تناهز 2100 هكتار من الأراضي الغابية.

هذه التجارب مهمة لأنها تقدم إجابة أولية عن السؤال المطروح منذ إطلاق فكرة الشركات الأهلية: هل يمكن تحويل الموارد المحلية إلى مشاريع اقتصادية جماعية؟ والجواب، في بعض الحالات، بدأ يكون نعم.

الدولة تفتح الأراضي والتمويل والمنصة الرقمية

وفي موازاة التوسع في عدد الشركات، بدأت الدولة في معالجة بعض العراقيل التي عطلت الانطلاقة.

فقد أقر مجلس وزاري في أوت 2026 إجراءات تتعلق بتوفير التمويلات والضمانات، وإمكانية استغلال الأراضي الدولية عند توفر الشروط القانونية، إلى جانب إحداث لجنة متعددة القطاعات لمتابعة الشركات الأهلية وتأطيرها محليًا وجهويًا قبل وبعد إحداثها.

كما أطلقت وزارة التشغيل السجل الوطني للشركات الأهلية والمنصة الرقمية «الأهلية» بهدف تبسيط إجراءات التأسيس، وتمكين الباعثين من التسجيل ومتابعة ملفاتهم إلكترونيًا وتوفير قاعدة بيانات وطنية محينة حول الشركات الأهلية.

وأكد الوزير أن الوزارة تعمل كذلك على تطوير منصة إلكترونية خاصة بالشركات الأهلية، بما يسمح بتحسين المتابعة والتعريف بهذه الشركات ومساعدتها على الوصول إلى الأسواق.

1200 شركة جديدة.. التحدي الحقيقي يبدأ بعد التأسيس

إعلان إحداث 1200 شركة أهلية جديدة يضع الدولة أمام اختبار أكبر من مجرد تسجيل الشركات.

فإذا كانت التجربة قد أنتجت حتى الآن مئات الشركات القانونية وعشرات الشركات الناشطة ومئات مواطن الشغل، فإن التحدي المقبل سيكون في تحويل العدد إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

المطلوب لن يكون فقط أن يرتفع عدد الشركات من 270 إلى أكثر من ألف شركة، بل أن تدخل هذه الشركات مرحلة الإنتاج، وأن تحقق مداخيل، وأن تخلق مواطن شغل مستقرة، وأن تتمكن من تسويق منتجاتها وخدماتها، وأن تصبح قادرة على تمويل نفسها بدل الاعتماد الدائم على الدولة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الرقم الذي كشف عنه رياض شوّد: 1200 شركة جديدة ليست مجرد هدف عددي، بل اختبار لقدرة النموذج الأهلي على التحول إلى قوة اقتصادية محلية.

فنجاح التجربة لن يقاس بعدد الشركات التي تحصل على المعرف الجبائي، وإنما بعدد الشركات التي تنتج وتبيع وتربح وتوظف وتدفع عجلة التنمية في الجهات.

وبين 270 شركة قائمة، ونحو ألف أخرى في طور الإنشاء، وهدف جديد يبلغ 1200 شركة، يبدو أن تونس تدخل الآن المرحلة الثانية من تجربة الشركات الأهلية: مرحلة إثبات الجدوى الاقتصادية بعد تجاوز مرحلة التأسيس.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى