تواجه تونس في موسم زيت الزيتون 2026-2027 احتمال تسجيل تراجع كبير في الإنتاج، بعد موسم قياسي وضع البلاد في صدارة كبار المنتجين العالميين.
وتتوقع الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون أن يبلغ إنتاج زيت الزيتون التونسي خلال الموسم الجديد نحو 300 ألف طن، مقابل حوالي 500 ألف طن خلال موسم 2025-2026، أي انخفاض بنحو 200 ألف طن، بما يعادل 40 بالمائة.
المعطى الذي نقلته منصات متخصصة في الأسواق الزراعية، من بينها المنصة الدولية « أوكر أغرو كونسلت »، لم يعد مجرد تقدير صادر عن جهة خارجية، إذ أكدته أيضاً تصريحات رئيسة الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون نجاة السعيدي حمد، التي أوضحت أن الإنتاج المنتظر للموسم الجديد قد ينخفض بشكل واضح مقارنة بالموسم القياسي السابق.
200 ألف طن أقل
الأرقام تبدو كبيرة للوهلة الأولى.
فانتقال الإنتاج من 500 ألف طن إلى 300 ألف طن يعني خسارة نحو 40 بالمائة من حجم الإنتاج في موسم واحد.
لكن الحساب يحتاج إلى قراءة أكثر دقة، لأن موسم 2025-2026 كان استثنائياً بكل المقاييس، وليس بالضرورة أن يمثل المستوى الطبيعي لإنتاج تونس من زيت الزيتون.
وتؤكد المعطيات المتداولة أن موسم 2025-2026 بلغ مستوى قياسياً يقارب 500 ألف طن، وهو ما جعل تونس واحدة من أكبر منتجي زيت الزيتون في العالم.
وفي المقابل، فإن تقدير 300 ألف طن للموسم الجديد يبقى توقعاً أولياً، وليس حصيلة نهائية للإنتاج، إذ إن الموسم لم ينته بعد، كما أن حجم المحصول الفعلي يمكن أن يتأثر بالظروف المناخية وتطورات الأشهر المقبلة.
المعاومة.. التفسير الرئيسي للتراجع
السبب الذي تقدمه الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون للتراجع المرتقب لا يتعلق فقط بالطقس أو بالجفاف، وإنما يرتبط أساساً بما يعرف في قطاع الزيتون بظاهرة المعاومة.
وتقوم هذه الظاهرة الطبيعية على تعاقب سنة ذات إنتاج مرتفع مع سنة يكون فيها الإنتاج أقل، وهي ظاهرة معروفة لدى أشجار الزيتون.
وبالتالي، فإن الموسم القياسي الذي عرفته تونس خلال 2025-2026 يجعل تسجيل إنتاج أقل في الموسم الموالي أمراً متوقعاً إلى حد كبير.
وقالت رئيسة الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون إن الإنتاج التونسي يخضع لهذا النمط من التناوب، معتبرة أن الموسم الحالي يأتي بعد سنة استثنائية من حيث كمية الإنتاج.
وهذه النقطة مهمة جداً عند قراءة خبر التراجع، لأن الحديث عن انخفاض الإنتاج بنسبة 40 بالمائة لا يعني بالضرورة أن قطاع زيت الزيتون التونسي دخل مرحلة انهيار أو أزمة هيكلية.
بل إن جزءاً كبيراً من الانخفاض المتوقع يمثل، وفق التفسير المهني، عودة من مستوى قياسي استثنائي إلى مستوى أقل.
تونس خرجت من موسم تاريخي
قبل الحديث عن الانخفاض، يجب التذكير بما حققته تونس خلال الموسم السابق.
ففي الأشهر التسعة الأولى من موسم 2025-2026، بلغت صادرات زيت الزيتون التونسي حوالي 368 ألف طن، بزيادة قدرها 55.3 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.
وارتفعت عائدات الصادرات خلال الفترة نفسها إلى نحو 4.605 مليار دينار، بزيادة قدرها 44.4 بالمائة.
وتشير المعطيات التي نقلتها وكالة رويترز إلى أن زيت الزيتون البكر الممتاز مثل حوالي 83.6 بالمائة من إجمالي الكميات المصدرة، فيما وصلت الصادرات التونسية إلى أكثر من 70 سوقاً حول العالم.
وكان الاتحاد الأوروبي الوجهة الأكبر للصادرات التونسية، مستحوذاً على 57.1 بالمائة من إجمالي الكميات، بينما استحوذت أمريكا الشمالية على 24 بالمائة.
وتكشف هذه الأرقام حجم الأهمية التي أصبح يمثلها زيت الزيتون بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، ليس فقط باعتباره منتجاً فلاحياً، وإنما أيضاً كمصدر للعملة الصعبة.
المفارقة: إنتاج أقل.. لكن العائدات قد لا تنخفض
المفارقة الأبرز في التوقعات الجديدة أن انخفاض الإنتاج لا يعني بالضرورة انخفاضاً بنفس النسبة في مداخيل القطاع.
رئيسة الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون تتوقع أن تتمكن تونس من تحقيق عائدات قريبة من تلك المسجلة في الموسم السابق، رغم انخفاض الكميات.
والسبب هو الأسعار العالمية.
فإذا تراجع المعروض التونسي في الوقت الذي تبقى فيه الأسعار العالمية مرتفعة، فإن قيمة الكميات المصدرة يمكن أن تعوض جزءاً مهماً من خسارة الحجم.
وقد أشارت الإذاعة التونسية الرسمية بدورها إلى أن الغرفة تتوقع استقرار عائدات التصدير تقريباً، مستفيدة من ارتفاع الأسعار العالمية.
وهذا يعني أن المعادلة الاقتصادية للموسم المقبل قد تصبح مختلفة تماماً:
كميات أقل، ولكن قيمة أعلى للطن الواحد.
لكن هناك سؤالاً أكبر: من يستفيد من ارتفاع الأسعار؟
هنا تبرز واحدة من أكبر الإشكاليات التي تواجه قطاع زيت الزيتون التونسي.
فارتفاع السعر العالمي لا يعني بالضرورة أن الزيادة في القيمة ستصل بالكامل إلى الفلاح التونسي أو إلى الاقتصاد الوطني.
والسبب يعود إلى هيكل الصادرات نفسه.
فخلال الأشهر التسعة الأولى من الموسم الماضي، مثل زيت الزيتون السائب حوالي 86 بالمائة من إجمالي الكميات المصدرة، في حين لم تتجاوز الصادرات المعلبة حوالي 14 بالمائة.
وفي المقابل، ارتفعت صادرات زيت الزيتون المعلب بنسبة 50.8 بالمائة لتصل إلى نحو 51.5 ألف طن، وهو تطور إيجابي، لكنه لا يزال غير كاف لتغيير هيكل القطاع بشكل جذري.
المشكلة إذن ليست فقط في كمية الزيت التي تنتجها تونس، وإنما في السعر الذي تحصل عليه تونس مقابل كل كيلوغرام تصدره.
إسبانيا وإيطاليا.. أكبر المستفيدين من الزيت التونسي؟
تكشف بيانات التصدير أيضاً عن أهمية الأسواق الأوروبية بالنسبة إلى تونس.
فالاتحاد الأوروبي استحوذ على أكثر من نصف الصادرات التونسية، وكانت إسبانيا وإيطاليا في مقدمة الأسواق الأوروبية المستقبلة للزيت التونسي.
وتشير المعطيات المنشورة حول الأشهر التسعة الأولى من موسم 2025-2026 إلى أن إسبانيا استحوذت على حوالي 32.1 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية، مقابل نحو 20 بالمائة لإيطاليا.
وهنا تكمن مفارقة اقتصادية أخرى.
فتونس تمتلك الإنتاج، لكنها تصدر جزءاً كبيراً منه في شكل سائب، بينما توجد في الأسواق الأوروبية قدرة أكبر على التعبئة والتسويق وبناء العلامات التجارية وإعادة توزيع المنتج.
وبالتالي فإن تونس لا تواجه فقط تحدي زيادة الإنتاج، وإنما تواجه أيضاً تحدي الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية لزيتها داخل البلاد.
300 ألف طن.. هل هو رقم نهائي؟
لا.
وهذه نقطة أساسية يجب عدم إغفالها في التعامل مع الرقم الجديد.
فالـ300 ألف طن هو تقدير مهني أولي للموسم 2026-2027، وليس رقماً رسمياً نهائياً للإنتاج.
بل إن تجربة الموسم السابق نفسها تظهر مدى صعوبة التنبؤ الدقيق بالإنتاج قبل دخول موسم الجني في مراحله الحاسمة.
وتشير بيانات منشورة خلال الصيف إلى أن موسم 2025-2026 انتهى في مستوى قياسي يقارب 500 ألف طن، بينما كانت التوقعات السابقة للموسم تتفاوت بشكل كبير قبل اتضاح الصورة النهائية.
ومن ثم، فإن الرقم الأكثر دقة في الوقت الحالي هو:
الغرفة الوطنية لمنتجي الزيتون تتوقع 300 ألف طن، لكن الإنتاج النهائي قد يتغير.
هل تتراجع تونس عن المركز الثاني عالمياً؟
إذا تحقق إنتاج في حدود 300 ألف طن، فمن الطبيعي أن يتراجع ترتيب تونس العالمي مقارنة بالموسم الاستثنائي السابق.
لكن ذلك لا يلغي المكانة التي اكتسبتها البلاد في سوق زيت الزيتون العالمي.
فموسم 2025-2026 وضع تونس في موقع بالغ الأهمية بين كبار المنتجين، بعدما وصل الإنتاج إلى مستوى قياسي بلغ نحو 500 ألف طن.
كما أن الصادرات القياسية التي حققتها تونس خلال الموسم نفسه عززت حضور الزيت التونسي في الأسواق الدولية.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: كم طناً ستنتج تونس؟
بل أيضاً:
كم ستكسب تونس من كل طن؟
وهل ستتمكن من تحويل هذا المنتج الزراعي الاستراتيجي من مادة تصدر بكميات كبيرة إلى صناعة متكاملة تشمل التعبئة والعلامات التجارية والتسويق والتوزيع في الأسواق العالمية؟
انخفاض الإنتاج قد يتحول إلى فرصة
قد يبدو التراجع المرتقب خبراً سلبياً للفلاحين والقطاع، لكنه يمكن أن يتحول أيضاً إلى فرصة اقتصادية إذا نجحت تونس في استغلال ارتفاع الأسعار العالمية.
ففي موسم يقل فيه الإنتاج، تصبح المحافظة على القيمة أهم من مطاردة الكميات.
وإذا تمكنت تونس من رفع نسبة الزيت المعلب والمعبأ محلياً، وتطوير العلامات التونسية، وتوسيع حضورها المباشر في الأسواق العالمية، فإن انخفاض الإنتاج قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار العائدات.
بل يمكن أن يدفع القطاع نحو استراتيجية جديدة تقوم على:
جودة أعلى، قيمة مضافة أكبر، وتصدير أقل اعتماداً على البيع السائب.
المعركة المقبلة ليست فقط في الحقول
الموسم الجديد يضع قطاع زيت الزيتون التونسي أمام اختبار مزدوج.
الاختبار الأول هو حجم الإنتاج الفعلي، وهل سيقترب فعلاً من 300 ألف طن أم سيتجاوز هذا الرقم.
أما الاختبار الثاني، وربما الأهم اقتصادياً، فهو قدرة تونس على تحويل كل طن من زيت الزيتون إلى أكبر قيمة ممكنة.
فموسم 2025-2026 أثبت أن تونس قادرة على إنتاج كميات ضخمة والوصول إلى عشرات الأسواق العالمية.
أما موسم 2026-2027 فقد يكون الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت تونس قادرة أيضاً على تعظيم العائد الاقتصادي من كل قطرة زيت.
وبين رقمين، 500 ألف طن في الموسم القياسي و300 ألف طن متوقعة في الموسم الجديد، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد « انخفاض بنسبة 40 بالمائة ».
إنها في الحقيقة قصة قطاع تونسي يعيش بين وفرة الإنتاج من جهة، ومعركة القيمة المضافة من جهة أخرى.
وإذا صدقت التوقعات، فإن تونس ستدخل موسمها الجديد بكميات أقل، لكنها قد تدخل السوق العالمية بسلاح آخر: ارتفاع الأسعار، وجودة الزيت، واتساع الطلب الدولي على المنتج التونسي.
والسؤال الذي سيحسم النتيجة في نهاية الموسم لن يكون فقط: كم أنتجت تونس؟
بل: كم من الثروة بقي في تونس من زيت الزيتون الذي تنتجه؟
