لم تعد أزمة الدواجن في تونس مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار واضطراب التزويد بالأسواق، بل أصبحت أمام معطى أكثر خطورة: تراجع القدرة الإنتاجية نفسها بعد موجة الحر القياسية وانقطاعات الكهرباء التي ضربت المداجن خلال جويلية وأوت الماضيين.
واليوم الاثنين 7 سبتمبر 2026، تنتهي المهلة التي منحها المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب لمربي الدواجن لتقديم حصيلة الخسائر، في انتظار أن تكشف هذه المعطيات حجم الضربة التي تلقاها القطاع، ومدى تأثيرها على إنتاج الدجاج والبيض خلال الأشهر المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس للغاية، مع العودة المدرسية والجامعية وارتفاع الطلب على اللحوم البيضاء، بينما تتحدث تقديرات مهنية عن إمكانية تراجع إنتاج سبتمبر إلى 11 ألف طن فقط، مقابل 16 ألف طن كانت متوقعة قبل موجة الحر.
وفي وقت تتجه فيه السلطات إلى توريد بيض التفقيس لإعادة تكوين الإنتاج خلال نوفمبر وديسمبر، تطرح أزمة الدواجن سؤالاً آخر: إلى أين ستتجه الأسعار في تونس، في وقت لا تسير فيه أسعار الدواجن والأعلاف والطاقة في الأسواق العالمية بالاتجاه نفسه؟
نقص مرتقب في سبتمبر
وكانت وزارة الفلاحة قد أعلنت يوم 3 سبتمبر أنها ستتخذ إجراءات لتعديل إنتاج الدواجن بعد استكمال حصر الخسائر.
وفي اليوم التالي، قالت سلوى الذوادي، كاهية مدير إنتاج اللحوم بالإدارة العامة للإنتاج الفلاحي، إن الوزارة تعتزم في مرحلة أولى توريد شحنات من بيض التفقيس بهدف دعم الإنتاج خلال شهري نوفمبر وديسمبر.
وتتوقع الوزارة أن تشهد السوق بعض الضغط في التزويد باللحوم البيضاء خلال سبتمبر، خصوصاً مع العودة المدرسية والجامعية واستئناف العمل بنظام الحصتين، على أن يتحسن التزويد تدريجياً بداية من أكتوبر.
لكن حجم الأزمة قد يكون أكبر بالنسبة إلى عدد من المربين الصغار والمتوسطين.
فقد تسببت الانقطاعات المتكررة والمطولة للكهرباء، بالتزامن مع درجات الحرارة المرتفعة، في تعطيل أنظمة التبريد والتهوية في عدد من المداجن، خصوصاً في ولايتي نابل وزغوان، وهما من مناطق الإنتاج المهمة.
وفي بعض الوحدات غير المجهزة بمولدات كهربائية، بلغ نفوق القطيع 100 بالمائة، وفق المعطيات التي قدمتها وزارة الفلاحة.
الإنتاج قد يتراجع من 16 ألف طن إلى 11 ألفاً
ويقدّر رئيس الغرفة الوطنية لتجار الدواجن واللحوم البيضاء إبراهيم النفزاوي أن ينخفض إنتاج اللحوم البيضاء خلال سبتمبر إلى حوالي 11 ألف طن، مقابل 16 ألف طن كانت متوقعة قبل موجة الحر.
وهذا يعني، وفق هذه التقديرات، فقدان نحو 5 آلاف طن من الإنتاج المتوقع خلال شهر واحد، أي انخفاضاً في حدود 31 بالمائة.
ولا تزال تونس تفتقر، في الوقت الراهن، إلى إحصائيات رسمية محينة ودقيقة حول حجم الإنتاج والاستهلاك اليومي أو الشهري للحوم البيضاء وعدد المداجن والمربين.
وكانت تقديرات الغرفة تشير خلال سنة 2025 إلى إنتاج يومي في حدود 500 طن مقابل استهلاك يتراوح بين 350 و400 طن.
وماذا يحدث في الأسواق العالمية؟
المفارقة أن أزمة الدواجن في تونس تأتي في وقت لا تعكس فيه السوق العالمية بالضرورة الاتجاه نفسه.
فوفق أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، تراجعت أسعار لحوم الدواجن عالمياً في يوليو مقارنة بيونيو، خاصة نتيجة انخفاض الأسعار في البرازيل، التي تتمتع بإمدادات تصديرية وفيرة. كما سجل مؤشر أسعار اللحوم العالمي انخفاضاً بنسبة 2.8 بالمائة خلال جويلية، وإن ظل أعلى بنسبة 0.8 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة.
لكن الصورة العالمية بدأت تصبح أكثر تعقيداً خلال الأسابيع الأخيرة، خصوصاً بالنسبة إلى تكلفة الأعلاف والطاقة والنقل.
فأسعار الحبوب، وهي عنصر أساسي في تكلفة إنتاج الدواجن، شهدت ضغوطاً صعودية خلال الصيف. وسجل مؤشر الفاو للحبوب في جوان ارتفاعاً بنسبة 3.4 بالمائة مقارنة بجوان، وبنسبة 6.9 بالمائة على أساس سنوي.
كما تشير التطورات المسجلة في سوق الصويا إلى استمرار عوامل الضغط على تكلفة الأعلاف؛ فقد أفادت رويترز اليوم الاثنين بأن ارتفاع أسعار عقود فول الصويا الأميركية، إلى جانب تقلص المخزونات في البرازيل، يرفع تكاليف شراء الصويا بالنسبة إلى مصنعي الأعلاف في بعض الأسواق الكبرى.
النفط قد يزيد كلفة الإنتاج والنقل
وتأتي هذه التطورات أيضاً في ظل ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً.
فقد اقترب سعر خام برنت اليوم الاثنين من 97 دولاراً للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس نحو 92 دولاراً، وسط اضطرابات في حركة الملاحة بمنطقة الخليج. وحذرت الأسواق من إمكانية وصول برنت إلى حدود 120 دولاراً إذا استمرت اضطرابات الإمدادات.
ولا يتعلق الأمر بسعر الوقود فقط، إذ إن ارتفاع النفط والديزل ينعكس على كلفة النقل والتبريد وإنتاج الأعلاف والخدمات اللوجستية، وهي كلها عناصر تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة إنتاج الدجاج والبيض.
أزمة تونس ليست أزمة أسعار عالمية فقط
وبذلك تبدو أزمة الدواجن في تونس مختلفة عن مجرد انعكاس لارتفاع أسعار الأسواق العالمية.
فالقطاع يواجه في الوقت نفسه صدمة إنتاج محلية بسبب الحرارة وانقطاعات الكهرباء، في وقت يستعد فيه السوق لفترة يرتفع خلالها الطلب بسبب العودة المدرسية والجامعية.
وهذا يفسر لماذا قد تشهد تونس ارتفاعاً في أسعار اللحوم البيضاء حتى في حال لم تسجل الأسعار العالمية للدواجن ارتفاعاً مماثلاً.
والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة وزارة الفلاحة على إعادة بناء القطيع سريعاً، وتأمين بيض التفقيس، ومساعدة المربين المتضررين، وضمان استمرارية التبريد والتهوية في المداجن خلال فترات الحرارة المرتفعة.
أما حصيلة الخسائر التي سيكشف عنها اليوم انتهاء مهلة المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب، فقد تكون أول مؤشر رسمي على مدى عمق الصدمة التي أصابت أحد أهم مكونات الأمن الغذائي في تونس.
