علمت تونيزي تليغراف من مصادر قضائية أن دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس قررت إحالة المتهمين في ما يعرف بملف « أرض قرطاج » على أنظار الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، لمحاكمتهم من أجل تهم على معنى الفصل 96 من المجلة الجزائية، من بينها استغلال موظف عمومي أو شبهه لصفته قصد الإضرار بالإدارة وتحقيق فائدة لا وجه لها لفائدته أو لفائدة الغير، والمشاركة في ذلك.
وكانت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس قررت يوم 15 جوان الافراج2026 ، عن الرئيس السابق للنيابة الخصوصية لبلدية قرطاج عز الدين باش شاوش، المظنون فيه في القضية المتعلقة بالتفويت في عقار بلدي بقرطاج، مع مواصلة ملاحقته قضائيا وهو بحالة سراح .
وكانت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس، أصدرت يوم 9 جوان الجاري بطاقة إيداع في حق زياد الهاني عضو المجلس البلدي لبلدية قرطاج سابقا (موقوف في غير هذه القضية) وفي حق 4 متهمين معه من بينهم عز الدين باش شاوش، من أجل تهم تعمد موظف عمومي أو شبهه استغلال صفته لإلحاق ضرر بالإدارة مقابل استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره والمشاركة في ذلك.
وأكد مصدر قضائي أن وقائع القضية تعلقت باستغلال المظنون فيهم عزالدين بالشاوش و محمد علي الحمامي و عبد اللطيف الوزرلي و زياد الهاني إشرافهم على تسيير شؤون بلدية قرطاج و حصول شغور على مستوى رئاسة البلدية و تركيبة المجلس البلدي في إطار النيابات الخصوصية، ليعمدوا إلى التسريع في عملية تفويت في عقار بلدي بثمن لا يتناسب مع قيمة العقار الفعلية ودون الاستئناس بأهل الخبرة التابعين لمصالح أملاك الدولة مما ألحق ضررا ماليا بالبلدية بالنظر للفارق الكبير بين الثمن المضمن بعقد التفويت و القيمة الحقيقية للعقار زمن التفويت مثلما قدرها الخبراء المنتدبون.
واستندت الأبحاث على شكاية مقدمة من قبل، جمعية تعنى بحماية التراث الأثري والثقافي بمدينة قرطاج أفادت فيها بوجود « شبهة فساد بخصوص إسناد قطعة أرض بمنطقة قرطاج لفائدة أحد الخواص بثمن لا يتناسب مع قيمة العقار الفعلية ودون الاستئناس بأهل الخبرة التابعين لمصالح أملاك الدولة مما ألحق ضررا ماليا بالبلدية بالنظر للفارق الكبير بين الثمن المضمن بعقد التفويت والقيمة الحقيقية للعقار زمن التفويت مثلما قدّرها الخبراء المنتدبون ».
تجدر الإشارة إلى أن عز الدين باش شاوش، هو مؤرخ وعالم آثار تقلد عدة مناصب إدارية وشغل منصب وزير للثقافة في الفترة الممتدة بين جانفي 2011 وديسمبر 2011 وتولى خطة رئيس النيابة الخصوصية لبلدية قرطاج بين سنتي 2011 و2016.
ويرى المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب أن القضية تقوم على قراءة قانونية غير سليمة، مؤكدا أن الملف ذو طبيعة إدارية بالأساس وليس جزائية.
وأوضح صواب، الذي مثل زياد الهاني لأكثر من سنة ونصف أمام فرقة الحرس الوطني ببن عروس، الى جانب المحامي كمال بن مسعود أن الملف يرتبط بسلسلة من الإجراءات المتعاقبة زمنيا، بداية من مداولة بلدية سنة 1967، ثم مداولة سنة 2008، وأخرى سنة 2011، وصولا إلى عقد التفويت المبرم سنة 2012.
واعتبر أن المداولة البلدية لسنة 2008 هي العنصر القانوني الحاسم لأنها حظيت بمصادقة سلطة الإشراف، بينما لم تضف مداولة 2011 أي جديد، بل كانت مجرد قرار تأكيدي لمضمون قرار سابق.
وأضاف أن عقد التفويت الموقع سنة 2012 لا يمثل قرارا مستقلا، وإنما مجرد تنفيذ لمداولة سابقة، وأن رئيس البلدية كان في وضعية « اختصاص مقيّد » ولا يملك سلطة تقديرية في مخالفة قرار المجلس البلدي.
وشدد صواب على أن مداولات المجالس البلدية تعد أعمالا إدارية خالصة تتمتع بقرينة الشرعية، وأن القاضي الإداري هو الجهة المختصة بالنظر في مدى قانونيتها، داعيا إلى طرح مسألة قانونية أولية أمام القضاء الإداري قبل مواصلة أي تتبع جزائي.
وفي ما يتعلق بالمسؤوليات، يرى صواب أنه حتى في حال وجود تتبع، فإنه يجب أن يتعلق بأعضاء المجلس البلدي الذين صادقوا على مداولة 2008، معتبرا أنهم بدورهم اعتمدوا على أصل قانوني يعود إلى ستينات القرن الماضي.
كما نفى أن يكون الملف مرتبطا بتقييم عقاري أو تحديد قيمة أرض، مؤكدا أنه يتعلق بتسوية وتحيين عملية تبادل عقاري قديمة بقيت عالقة لعقود.
وفي دفاعه عن زياد الهاني وعزالدين باش شاوش، قال صواب إن الرجلين تحركا بعد الثورة في إطار ما اعتبراه إعادة حقوق لأصحابها، منتقدا ما وصفه بتحول القضية إلى مسار جزائي..
زياد الهاني بين ملفين قضائيين
أما الصحفي زياد الهاني، فيوجد حاليا بالسجن على خلفية قضية أخرى صدر فيها حكم ابتدائي يقضي بسجنه لمدة عام، على خلفية تصريحات اعتُبرت مسيئة في حق قضاة.
ومن المنتظر أن تنظر الدائرة الاستئنافية في هذه القضية يوم 19 جوان الجاري، في جلسة قد تكون حاسمة بالنسبة إلى وضعيته القضائية، في وقت يواجه فيه أيضا التتبعات المتعلقة بملف أرض قرطاج.
ويأتي ذلك في ظرف استثنائي بالنسبة إلى الصحفي، الذي وجد نفسه محل إجراءات قضائية متعددة، وهو ما دفع هيئة الدفاع إلى إثارة تساؤلات حول تداخل الملفات وتوالي التتبعات.
مواجهة قانونية حول الزمن والمسؤوليات
ومن المنتظر أن تكون جلسة 30 جوان محطة مهمة في مسار القضية، ليس فقط من زاوية الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، بل أيضا من زاوية الأسئلة القانونية التي يطرحها الملف.
فهل تنطلق المسؤولية من قرار 2008 أم من إجراءات 2011 أو العقد المبرم سنة 2012؟ وهل يمكن الدفع بانقضاء الدعوى العمومية بمرور الزمن بالنظر إلى قدم بعض الوقائع؟ أم أن جهة الاتهام تعتبر أن عناصر الجريمة بقيت قائمة إلى تاريخ أحدث؟
أسئلة ستكون أمام المحكمة، في ملف يجمع بين تعقيدات القرار الإداري، وحسابات الزمن القانوني، والجدل المتعلق بملاءمة الإجراءات القضائية مع وضعية أحد أبرز رموز المشهد الثقافي التونسي وصحفي يقضي حاليا عقوبة سالبة للحرية في قضية أخرى.
ماذا يعني الفصل 96 من المجلة الجزائية؟
الفصل 96 من المجلة الجزائية التونسية يتعلق بجريمة استغلال الموظف العمومي أو شبهه لصفته لتحقيق فائدة غير مشروعة أو الإضرار بالإدارة. وهو من الفصول التي تُستخدم في قضايا الفساد الإداري والمالي عندما تكون الشبهة مرتبطة بقرار أو إجراء اتخذه مسؤول بحكم وظيفته.
وتجدر الإشارة إلى أن إحالة المتهمين على الدائرة الجنائية لا تعني ثبوت الإدانة، بل تعني أن دائرة الاتهام اعتبرت أن الملف يتضمن من المؤيدات ما يستوجب المحاكمة أمام هيئة الحكم المختصة، حيث تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء بعد مناقشة الحجج والدفاع.
1. العقوبات الأصلية والمالية (وفقاً للفصل 96 جديد)
- العقوبة السجنية: تم تخفيض العقوبة القصوى من 10 سنوات إلى 6 سنوات سجناً.
- الخطية المالية: أصبحت الخطية تساوي تماماً قيمة المضرة المادية الحاصلة للإدارة.
- المؤسسات المشتركة: إذا حصل الضرر لمؤسسة تساهم الدولة في رأس مالها، تُحتسب الخطية بقدر نسبة إسهام الدولة فيها.
2. الشروط القانونية الإلزامية للإدانة (الركن المعنوي)
لم يعد مجرد « مخالفة التراتيب » كافياً للإدانة كما كان سابقاً، بل أصبح القضاء يطالب بإثبات شروط مجتمعة:
- العمد والقصد الجنائي: يجب إثبات أن الموظف تعمد استغلال صفته لإلحاق ضرر.
- انتفاء ركن الخطأ الإداري: لا يُعاقب الموظف في حالات الاجتهاد، أو سوء التأويل، أو التقدير، أو عند تنفيذ تعليمات كتابية ثبت خطؤها لاحقاً طالما غابت نية الفساد.



