الرئيسية أخبار تونس مليارات تُنفق على المياه المعلبة.. لماذا لا تستثمر الصوناد في ماء الحنفية؟

مليارات تُنفق على المياه المعلبة.. لماذا لا تستثمر الصوناد في ماء الحنفية؟

0
1
blank

في الوقت الذي تواجه فيه تونس أزمة مائية متصاعدة، ويتزايد الاعتماد على المياه المعلبة، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تستثمر الدولة بشكل أكبر في جعل مياه الحنفية صالحة للشرب وموثوقة لدى المواطن، كما هو الحال في العديد من الدول؟

المفارقة أن تونس لا تبدأ من الصفر. فالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تنتج فعلياً مياه الشرب بعد إخضاعها لعمليات معالجة وتعقيم ومراقبة مخبرية، وتشمل المعالجة تعديل الحموضة واستخدام الفحم النشط عند الحاجة، ثم التعقيم بالكلور قبل ضخ المياه في الشبكة.

وتؤكد بيانات الشركة أن 57 ألفاً و504 عينات من المياه خضعت للتحليل سنة 2023، وبلغت نسبة العينات المطابقة بكتريولوجياً نحو 97.9 بالمائة. وهذا يعني أن المشكلة ليست ببساطة أن « ماء الحنفية غير صالح للشرب »، بل إن الإشكال يرتبط أيضاً بالشبكات، والاستمرارية، والتسربات، وطبيعة المياه في بعض المناطق، والأهم من ذلك ثقة المواطن.

المشكلة تبدأ بعد محطة المعالجة

فالماء الذي يخرج من محطة المعالجة قد يكون مطابقاً للمواصفات، لكن الرحلة إلى منزل المواطن طويلة ومعقدة.

شبكات المياه تعاني من التقادم والتسربات والأعطاب. وفي تونس الكبرى وحدها، تشير بيانات البنك الإفريقي للتنمية إلى شبكة تتجاوز 8 آلاف كيلومتر، شهدت خلال سنة 2024 أكثر من 50 ألف تسرب و5 آلاف عطب، مع فقدان نحو 29 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.

كما بلغت كفاءة شبكة التوزيع وفق بيانات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لسنة 2023 نحو 77.7 بالمائة، مع تفاوت كبير بين المناطق.

وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح الدولة في إنتاج ماء صالح للشرب، لكنها تخسر جزءاً منه بسبب الشبكة، كما أن الانقطاعات المتكررة وعودة المياه أحياناً بلون أو رائحة مختلفة تدفع المواطن إلى التشكيك في جودة الماء حتى وإن كانت التحاليل المخبرية تؤكد مطابقته.

2.1 مليار لتر من المياه المعلبة

هذه الأزمة انعكست بوضوح على سلوك التونسيين.

فخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025، بلغ استهلاك المياه المعلبة نحو 2.1 مليار لتر، بقيمة تقارب 790 مليون دينار.

إنها سوق ضخمة تكشف إلى أي مدى أصبح المواطن يعتمد على القارورة للحصول على ماء يعتقد أنه أكثر أماناً وموثوقية.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية وبيئية كبيرة: المواطن يدفع فاتورة الماء للشركة العمومية، ثم يدفع مرة ثانية لشراء المياه المعلبة، بينما تتحمل البلاد في المقابل كلفة إضافية تتمثل في إنتاج العبوات البلاستيكية ونقلها وتخزينها وجمع نفاياتها.

الحل ليس محطة تنقية في كل منزل

قد يبدو الحل الأول هو تركيب أجهزة تنقية في المنازل، لكن ذلك لا يمكن أن يكون بديلاً عن شبكة عمومية سليمة.

فالفلاتر المنزلية تحتاج إلى صيانة وتغيير دوري، ويمكن أن تصبح غير فعالة أو حتى مصدراً للتلوث إذا لم تتم صيانتها بالشكل المطلوب.

الحل الحقيقي يبدأ من الدولة: ماء معالج جيداً، شبكة سليمة، مراقبة مستمرة، واستمرارية في التزويد.

أي أن المطلوب ليس مجرد إنتاج مياه صالحة للشرب، بل ضمان وصولها بالجودة نفسها إلى صنبور المواطن.

تحلية المياه وحدها لا تكفي

تونس اتجهت أيضاً إلى تحلية مياه البحر والمياه غير التقليدية لمواجهة ندرة الموارد، لكن التحلية ليست حلاً سحرياً.

فالمحطات تحتاج إلى استثمارات كبيرة وإلى كميات ضخمة من الطاقة. ويشير البنك الإفريقي للتنمية إلى أن الطاقة تمثل نحو 28 بالمائة من كلفة إنتاج مياه الشرب في المنظومة، ويمكن أن ترتفع إلى حوالي 38 بالمائة مع دخول محطات التحلية حيز التشغيل.

ولهذا فإن إنتاج المزيد من المياه دون إصلاح الشبكات يشبه ملء خزان مثقوب: كلما زادت الدولة الإنتاج، زادت حاجتها إلى ضخ المزيد لتعويض ما يضيع في الطريق.

مشروع بدأ بالفعل… لكن المطلوب أوسع

هناك بالفعل مشاريع لتحديث شبكة المياه. فقد وافق البنك الإفريقي للتنمية في نوفمبر 2025 على تمويل بقيمة 111.5 مليون يورو لتحديث شبكة مياه الشرب في تونس الكبرى، بما يشمل تجديد نحو 150 كيلومتراً من الأنابيب وتحسين محطات الضخ والتخزين والتوزيع، إلى جانب الرقمنة والمراقبة الآنية.

كما أقرت الحكومة في 2026 إجراءات تتعلق بتجديد البنية التحتية، واعتماد أنظمة ذكية للكشف عن التسربات، والمراقبة عن بعد، والعدادات الذكية، وتطوير الموارد المائية غير التقليدية.

لكن تونس تحتاج إلى الذهاب أبعد من ذلك، عبر إطلاق مشروع وطني واضح عنوانه « ماء الحنفية الصالح للشرب »، هدفه إعادة بناء الثقة بين المواطن وشبكة المياه.

يمكن أن يبدأ المشروع بتحديد المناطق التي تكون فيها مياه الشبكة مطابقة بشكل مستمر، ونشر نتائج التحاليل للعموم، ثم تجديد الشبكات الأكثر تضرراً، وتركيز أنظمة مراقبة مستمرة لجودة المياه وصولاً إلى المستهلك.

كما يمكن أن تصبح المدارس والمستشفيات والإدارات والجامعات نموذجاً في الاعتماد على مياه الشبكة، مع تجهيزها بأنظمة ترشيح عند الحاجة.

المعركة الحقيقية هي مع الثقة

الماء المعلب ليس بالضرورة هو الحل الأفضل لمشكلة المياه، كما أن القول إن كل مياه الحنفية في تونس غير صالحة للشرب تبسيط غير دقيق.

المشكلة الحقيقية تتمثل في الثقة والاستمرارية والبنية التحتية.

عندما يفتح المواطن الصنبور ويجد ماءً صافياً، متوفراً باستمرار، وتكون نتائج التحاليل منشورة وشفافة، ستتغير تدريجياً علاقته بالمياه المعلبة.

فبدلاً من أن تنفق العائلات مئات الدنانير سنوياً على القوارير، يمكن أن يصبح الماء العمومي هو الخيار الأول.

وفي بلد يعاني شح المياه، قد يكون السؤال الأهم ليس: كيف ننتج المزيد من القوارير؟

بل:

لماذا يدفع التونسي ثمن الماء مرتين: مرة في فاتورة الشركة الوطنية، ومرة ثانية في قارورة المياه؟

إنقاذ مياه الحنفية وإعادة الثقة فيها لن يكون مجرد مشروع لتوفير الماء، بل يمكن أن يتحول إلى سياسة اقتصادية وبيئية واجتماعية تخفف العبء عن العائلات، وتقلص استهلاك البلاستيك، وتحد من النقل، وتوفر على البلاد جزءاً من كلفة البحث عن موارد مائية جديدة.

وفي النهاية، قد يكون أفضل حل لأزمة المياه المعلبة في تونس ليس إنتاج مزيد من القوارير، وإنما جعل المواطن قادراً على ملء كوبه من الحنفية وهو مطمئن.

هناك عشرات الدول التي يعتمد سكانها على ماء الحنفية للشرب بشكل واسع، خصوصاً الدول التي تتمتع بشبكات مياه ومعالجة ورقابة قوية. لكن من المهم التفريق بين « المياه المُدارة بأمان » وفق معيار منظمة الصحة العالمية، وبين القول إن كل حنفية في كل منطقة من البلد صالحة للشرب.

وفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية واليونيسف، وصل عدد الدول التي حققت تغطية شاملة للمياه المدارة بأمان إلى 31 دولة في 2024، بينما حققت دول كثيرة أخرى نسباً مرتفعة جداً من الوصول إلى مياه شرب مأمونة.

من أبرز الدول التي يشرب سكانها عادةً من الحنفية:

أوروبا:

  • سويسرا
  • ألمانيا
  • فرنسا
  • هولندا
  • بلجيكا
  • النمسا
  • السويد
  • النرويج
  • الدنمارك
  • فنلندا
  • آيسلندا
  • لوكسمبورغ
  • إيطاليا
  • إسبانيا
  • البرتغال
  • المملكة المتحدة
  • أيرلندا
  • التشيك
  • سلوفاكيا
  • سلوفينيا
  • كرواتيا

وتشير بيانات اليونيسيف إلى مستويات مرتفعة جداً من خدمات مياه الشرب المدارة بأمان في معظم هذه الدول.

أمريكا الشمالية:

  • كندا
  • الولايات المتحدة

أوقيانوسيا:

  • أستراليا
  • نيوزيلندا

آسيا:

  • اليابان
  • سنغافورة
  • كوريا الجنوبية

وماذا عن الدول العربية؟

الوضع أكثر تفاوتاً. فبعض الدول لديها شبكات مياه آمنة بدرجة عالية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن غالبية السكان يشربون من الحنفية بشكل دائم.

ومن المثير للاهتمام أن بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة اليونيسيف تشير إلى أن تونس بلغت 65% من السكان الذين يستخدمون خدمات مياه شرب مُدارة بأمان في 2024. وهذه النسبة لا تعني أن 65% يشربون مباشرة من الحنفية، لكنها مؤشر مهم على مستوى سلامة وإتاحة خدمات المياه