الرئيسية اقتصاد زارات وجوانت أويل: لماذا يعزف المستثمرون عن مشروع تتحدث تونس وليبيا عن...

زارات وجوانت أويل: لماذا يعزف المستثمرون عن مشروع تتحدث تونس وليبيا عن ثرواته؟

0
32
blank

ليس كل ما يوجد تحت البحر ثروة قابلة للاستثمار…

تعود تونس وليبيا من جديد إلى تسويق مشروع «جوانت أويل» واكتشاف «زارات» أمام المستثمرين الدوليين، في محاولة جديدة لإحياء مشروع ظل لسنوات طويلة ينتظر الانتقال من مرحلة الدراسات والاكتشافات إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج.

الإعلان الجديد قد يبدو للوهلة الأولى فرصة مهمة، خصوصا في ظل حاجة تونس المتزايدة إلى تطوير مواردها المحلية من النفط والغاز وتقليص اعتمادها على الواردات. لكن وراء هذا الإعلان سؤالا أكثر أهمية: لماذا لم ينجح المشروع إلى الآن في جذب المستثمر الذي يتكفل بتطويره؟

الإجابة لا تتعلق فقط بالظروف السياسية أو بتعقيدات الاستثمار في المنطقة، وإنما قد تكون مرتبطة أساسا بالجدوى الاقتصادية للمشروع نفسه.

المحاولات السابقة فشلت

وحسب عدد من المختصين في مجال الطاقة تحدثت اليهم تونيزي تيليغراف فإن المشروع سبق أن شهد عدة محاولات لاستقطاب مستثمرين، لكنها لم تنجح.

ووفقا لتقييمه، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن مردودية المشروع غير واضحة بالنسبة إلى المستثمر، مشيرا إلى أن المخزون المتوفر ليس بالحجم أو بدرجة اليقين التي تسمح بجعل المشروع جذابا بسهولة بالنسبة إلى الشركات النفطية الكبرى.

وأضاف أن إحدى الشركات الكندية قامت بدراسات حول المشروع قبل أن تتخلى عنه، وهي معلومة تنسجم مع التاريخ الطويل لتدخل شركات كندية في المنطقة.

ففي سنة 2008، أبرمت شركة «جوانت أويل» اتفاقات مع شركة كندية لاستكشاف المنطقة، كما تشير وثائق الشركة نفسها إلى مرحلة لاحقة بدأت باتفاقات أبرمت سنة 2008 مع شركة «سوند ريسورسيز» الكندية.

وهذا يعني أن الحديث عن مشروع لم يلفت انتباه المستثمرين لا يتعلق بجولة واحدة فقط، بل بمسار طويل عرف محاولات متعددة للوصول إلى شريك قادر على تحويل الاكتشافات إلى مشروع إنتاج.

المشكلة ليست غياب النفط والغاز

هنا تكمن المفارقة.

المشروع لا يقوم على منطقة مجهولة تماما. فهناك اكتشاف «زارات»، وهناك بيانات زلزالية وآبار ودراسات جيولوجية، كما أن الموقع يقع في منطقة غنية بالنشاط النفطي والغازي.

بل إن أحدث المعطيات المنشورة تتحدث عن موارد كبيرة في مكانها داخل «زارات»، تشمل نحو 266 مليون برميل من النفط والمكثفات و1.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز. لكن هذه أرقام للموارد الموجودة في المكمن، وليست دليلا تلقائيا على أن كل هذه الكميات يمكن استخراجها وبيعها بصورة مربحة.

وهنا يبدأ الفرق بين وجود مورد جيولوجي ووجود مشروع تجاري قابل للتمويل.

فالشركة النفطية لا تسأل فقط: كم يوجد من النفط والغاز؟

بل تسأل أيضا: كم يمكنني استخراج فعليا؟ وكم سيكلفني ذلك؟ وكم سأربح؟ ومتى أستعيد استثماري؟

ثلاثون عاما من الانتظار

اكتشاف «زارات» ليس اكتشافا حديثا.

لقد بدأت قصة الاكتشاف منذ عقود، ومع ذلك لم يصل المشروع إلى مرحلة الإنتاج التجاري.

وهذا عامل لا يمكن تجاهله عندما يقيّم المستثمر المشروع.

فكل سنة تمر من دون تطوير تعني أن هناك أسبابا فنية أو اقتصادية أو تعاقدية أو استثمارية حالت دون الوصول إلى قرار نهائي.

وإذا كان المشروع جذابا بما يكفي، فإن مرور كل هذه السنوات من دون تطوير يصبح في حد ذاته سؤالا اقتصاديا يحتاج إلى إجابة.

تكلفة كبيرة ومردودية غير واضحة

المشكلة الأساسية التي أشار إليها الوزير السابق هي عدم وضوح المردودية.

وهذه ربما تكون أهم كلمة في القصة كلها.

الشركات النفطية العالمية لا تستثمر مئات الملايين من الدولارات، وربما أكثر من ذلك، بناء على وجود مؤشرات جيولوجية فقط.

إنها تبحث عن احتياطات مؤكدة، وإنتاج متوقع، وتكلفة تطوير يمكن التحكم فيها، وسعر بيع يسمح بتحقيق عائد مناسب.

أما عندما يكون حجم المخزون القابل للاستخراج غير واضح، وتكون كلفة التطوير مرتفعة، ويحتاج المشروع إلى منشآت بحرية ومعالجة ونقل، فإن هامش المخاطرة يرتفع.

وهذا بالضبط ما يجعل المشروع أقل جاذبية مقارنة بمشاريع أخرى يمكن للمستثمر أن يحصل منها على إنتاج أسرع ومردودية أوضح.

مشكلة الغاز وثاني أكسيد الكربون

هناك أيضا عنصر فني مهم.

المعطيات المنشورة حول «زارات» تشير إلى وجود نسب مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون في الغاز، وهو ما يزيد تعقيد عملية التطوير والمعالجة.

وهذا لا يعني أن الغاز غير قابل للاستغلال، لكنه يعني استثمارات إضافية في المعالجة والتجهيز، وبالتالي ارتفاع كلفة المشروع.

وبالنسبة إلى المستثمر، فإن كل زيادة في كلفة التطوير تعني ضرورة وجود احتياطات أكبر أو إنتاج أعلى أو شروط تعاقدية أفضل حتى تصبح العملية مجدية اقتصاديا.

لماذا انسحبت الشركة الكندية؟

إذا تأكدت بشكل وثائقي المعلومة التي نقلها الوزير السابق بشأن تخلي الشركة الكندية بعد إجراء الدراسات، فإنها ستكون من أهم العناصر لفهم تاريخ المشروع.

فالاستثمار النفطي لا يتوقف عادة بسبب غياب المعلومات، بل إن المستثمرين الكبار ينفقون مبالغ كبيرة للحصول على المعلومات قبل اتخاذ القرار.

وعندما تقوم شركة بالدراسات ثم تقرر عدم مواصلة المشروع، فإن ذلك لا يثبت وحده أن المشروع غير اقتصادي، لكنه يمثل إشارة تستوجب البحث في نتائج الدراسات وفي الأسباب التي أدت إلى الانسحاب.

وهنا تحديدا يجب أن تكون الإجابة الرسمية أكثر وضوحا: ما الذي خلصت إليه الدراسات السابقة؟ وما حجم الاحتياطات المؤكدة؟ وما معدل الإنتاج المتوقع؟ وما الكلفة الحقيقية للتطوير؟ ولماذا لم يتحول الاكتشاف إلى إنتاج بعد كل هذه السنوات؟

الجولة الجديدة لا تمحو تاريخ المشروع

في مايو 2026، أعلنت «جوانت أويل» عن جولة جديدة لتطوير «زارات» واستكشاف المنطقة، مع تعيين شركة استشارية لتسويق المشروع والبحث عن شركاء. كما أن الجولة الجديدة تعيد طرح المشروع بعد عدم نجاح المحاولة السابقة في جذب المستثمرين.

وفي 12 أوت الجاري، أعلنت الشركة موعدا جديدا للجولة، على أن تفتح في 7 سبتمبر وتستمر إلى نهاية ديسمبر 2026.

لكن إعادة طرح المشروع لا تعني أن الجدوى الاقتصادية أصبحت محسومة.

إنها تعني ببساطة أن تونس وليبيا تبحثان مرة أخرى عن مستثمر مستعد لتحمل المخاطر.

المستثمر لا يرفض النفط… بل يرفض المخاطرة غير المحسوبة

وهنا يجب تجنب استنتاج خاطئ.

عزوف المستثمرين لا يعني بالضرورة أن «زارات» لا يحتوي على نفط أو غاز.

بل قد يعني أن الكميات التي يمكن استخراجها تجاريا، وكلفة استخراجها، وحجم الاستثمار المطلوب، والعائد المنتظر، لا تشكل حتى الآن مزيجا مغريا بما يكفي.

وهذا تفسير أكثر واقعية من القول إن المستثمرين لم يروا قيمة في المنطقة.

فالمستثمر النفطي لا يشتري الاحتمالات، بل يشتري مشروعا يستطيع أن يحول فيه المخزون إلى تدفقات مالية.

السؤال الذي يجب أن تجيب عنه تونس وليبيا

بعد كل هذه السنوات، لا يكفي أن يقال إن «زارات» يقع في منطقة واعدة، أو إن «جوانت أويل» يمتلك بيانات زلزالية مهمة.

السؤال الحقيقي هو:

كم يبلغ المخزون المؤكد والقابل للاستخراج اقتصاديا؟

ثم:

كم ستكلف عملية التطوير؟

و:

كم سيبلغ الإنتاج السنوي؟

و:

ما المدة التي يحتاجها المستثمر لاستعادة أمواله وتحقيق أرباح؟

وأخيرا:

لماذا لم يقتنع المستثمرون السابقون بهذه المعادلة؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد مصير الجولة الجديدة، وليس عدد الكيلومترات المربعة التي تغطيها المنطقة ولا عدد الدراسات الزلزالية المنجزة.

بين الثروة الجيولوجية والثروة الاقتصادية

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم في قصة «زارات».

قد تكون هناك ثروة تحت البحر، لكن الثروة الجيولوجية ليست بالضرورة ثروة اقتصادية.

والمشروع قد يمتلك موارد محتملة، لكنه يحتاج إلى إثبات أن هذه الموارد قابلة للاستخراج بكلفة تسمح بتحقيق عائد مقنع.

ولهذا فإن شهادة الوزير السابق بشأن فشل المحاولات السابقة وعدم وضوح المردودية، إلى جانب تاريخ دخول شركات إلى المشروع ثم عدم وصوله إلى الإنتاج، تجعل من الجولة الجديدة اختبارا حقيقيا وليس مجرد فرصة استثمارية أخرى.

شركة «جوانت أويل»… تاريخ طويل يفرض الحذر

وهنا تبرز نقطة لا ينبغي أن تغيب عن أي تقييم جديد للمشروع، وهي وضعية الشركة المشتركة «جوانت أويل» التي أُسست منذ عقود بهدف تطوير واستغلال موارد المحروقات، لكن حصيلتها الإنتاجية ظلت، طوال سنوات طويلة، محدودة للغاية مقارنة بالآمال التي رافقت تأسيسها.

وهذا المعطى يفرض التعامل مع إعادة تسويق المشروع اليوم بكثير من الحذر. فالسؤال لم يعد فقط: هل توجد موارد نفطية في «زارات»؟ بل أصبح أيضا: هل المشروع قابل فعلا للتحول إلى استثمار منتج ومربح في الظروف الاقتصادية الحالية؟

فالسنوات الطويلة التي مرت منذ إنشاء الشركة، دون أن تتحول إلى قصة نجاح إنتاجية كبيرة، تجعل من الضروري إعادة تقييم المشروع على أسس اقتصادية وفنية دقيقة، لا الاكتفاء بإعادة تقديمه للمستثمرين باعتباره فرصة جديدة.

والأهم أن الظروف التي يُعاد فيها طرح المشروع اليوم ليست هي نفسها التي كانت قائمة عند إطلاقه. فـتونس وليبيا تواجهان في الوقت نفسه ضغوطا مالية واستثمارية وطاقة معقدة، فيما أصبحت شركات النفط الدولية أكثر تشددا في تقييم المخاطر والعائد المتوقع قبل ضخ أموال كبيرة في مشاريع جديدة.

إذا ظهر مستثمر هذه المرة، فسيكون ذلك مؤشرا مهما على أن المعادلة الاقتصادية تغيرت أو أصبحت أكثر وضوحا. أما إذا تكررت النتيجة نفسها، فسيكون من المشروع التساؤل بجدية: هل المشكلة في المستثمرين، أم أن مشروع «زارات» و«جوانت أويل» لم يصل بعد إلى مرحلة تجعل مخاطره تستحق العائد المتوقع؟