الرئيسية اقتصاد نمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس… القصة المحزنة وراء الأرقام

نمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس… القصة المحزنة وراء الأرقام

0
23
blank

يرى الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي أن قراءة أرقام النمو الاقتصادي التونسي لا يجب أن تتوقف عند نسبة 2.3% المسجلة خلال الربع الثاني من سنة 2026، معتبراً أن خلف هذا الرقم مؤشرات أكثر إثارة للقلق، من بينها تراجع التشغيل، وضعف الاستثمار، وتزايد الدين الحكومي، واستمرار الضغوط التضخمية.

ويطرح بن بوهالي سؤالاً أساسياً حول قدرة السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية الحالية على تحقيق نمو حقيقي ومستدام، مؤكداً أن المطلوب بالنسبة إلى تونس ليس مجرد نمو في الناتج المحلي الإجمالي، وإنما نمو قادر على خلق الثروة والوظائف وتحسين القدرة الشرائية ورفع إنتاجية الاقتصاد.

قد يبدو رقم 2.3% للوهلة الأولى إيجابياً: الاقتصاد التونسي ما زال ينمو ولم يدخل مرحلة الانكماش. لكن قراءة أعمق للأرقام تكشف صورة أكثر تعقيداً، وتطرح سؤالاً أساسياً: هل يكفي أن ينمو الاقتصاد على الورق إذا كان هذا النمو لا يتحول إلى وظائف جديدة ودخل أفضل وتحسن في مستوى معيشة التونسيين؟

وفق المعطيات الواردة في المادة الأصلية، سجل الاقتصاد التونسي خلال الربع الثاني من سنة 2026 نمواً في حدود 2.3%، في وقت كان فيه النمو أعلى خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. والأهم أن سوق الشغل لم يواكب هذا النمو، إذ تم تسجيل فقدان صافٍ لنحو 58.2 ألف موطن شغل، بالتزامن مع تراجع عدد السكان النشيطين، أي الأشخاص القادرين والراغبين في العمل، بنحو 77.5 ألف شخص.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية وراء الرقم.

اقتصاد ينمو… لكنه لا يخلق ما يكفي من الوظائف

النمو الاقتصادي لا يقاس فقط بالنسبة المئوية التي يعلنها المعهد الوطني للإحصاء. بالنسبة للمواطن، السؤال الأكثر أهمية هو: هل خلق الاقتصاد وظيفة جديدة؟ وهل ارتفع دخلي؟ وهل أصبحت قدرتي على شراء الغذاء والدواء والسكن أفضل؟

عندما يسجل الاقتصاد نمواً، بينما يتراجع عدد الوظائف، فإن ذلك يطرح علامات استفهام حول طبيعة هذا النمو ومدى قدرته على خلق الثروة.

وتزداد أهمية المسألة إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد العاطلين عن العمل في تونس يناهز 641.7 ألف شخص. ووفق الأرقام الواردة في التحليل، فإن انخفاض عدد السكان النشيطين بـ77.5 ألف شخص يعني أن نسبة مهمة من الأشخاص الذين كانوا ضمن قوة العمل لم تعد تبحث عن وظيفة أو خرجت من سوق الشغل.

لكن من المهم هنا التمييز بين فقدان الوظيفة والخروج من قوة العمل، فهما ليسا الشيء نفسه إحصائياً. ولذلك لا يمكن اعتبار كل الـ77.5 ألف شخص عاطلين عن العمل أو القول إنهم فقدوا وظائفهم نهائياً من دون بيانات تفصيلية عن أسباب خروجهم من سوق الشغل.

من 3.2% إلى 2.3%… لماذا يتباطأ النمو؟

الأكثر إثارة للقلق هو الاتجاه العام.

فبحسب المعطيات المنسوبة إلى المعهد الوطني للإحصاء، تراجع النمو السنوي من حوالي 3.2% في الربع الثاني من 2025 إلى 2.3% في الربع الثاني من 2026.

المشكلة إذن ليست في رقم واحد، وإنما في السؤال التالي: لماذا لا تستطيع تونس الانتقال من نمو ضعيف إلى نمو قوي ومستدام؟

فالاقتصاد التونسي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب الداخلي والاستهلاك، إلى جانب قطاعات تقليدية مثل السياحة والزراعة. وفي المقابل، لا يزال الاستثمار والإنتاج الصناعي القادر على خلق قيمة مضافة عالية يمثلان تحدياً كبيراً.

النمو الذي يعتمد أساساً على استهلاك الأسر يمكن أن يستمر لفترة، لكنه يصبح هشاً عندما تتراجع القدرة الشرائية وترتفع الأسعار ويزداد الاقتراض.

البنك المركزي بين محاربة التضخم وتمويل الدولة

هنا تدخل السياسة النقدية في قلب النقاش.

البنك المركزي التونسي يواجه مهمة صعبة: السيطرة على التضخم من جهة، والحفاظ على ظروف تمويل تسمح للشركات بالاستثمار وخلق الوظائف من جهة أخرى.

رفع أسعار الفائدة يساعد عادة على كبح التضخم، لكنه يجعل القروض أكثر كلفة بالنسبة إلى الشركات والأسر. وعندما تكون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى التمويل، فإن ارتفاع كلفة الاقتراض يمكن أن يدفعها إلى تأجيل الاستثمار أو تقليص نشاطها أو حتى الخروج من السوق.

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى تمويل عجزها وسداد ديونها. وعندما تستحوذ الدولة على جزء كبير من موارد النظام المصرفي، يمكن أن تتراجع السيولة المتاحة للقطاع الخاص، وهو ما يعرف بمشكلة مزاحمة القطاع الخاص.

لكن وصف كل التمويل المقدم للدولة بأنه مجرد « طباعة أموال » أو تحميل البنك المركزي وحده مسؤولية ضعف النمو يحتاج إلى تدقيق، لأن العلاقة بين السياسة النقدية والمالية، وتمويل الخزينة، والتضخم، وسعر الفائدة أكثر تعقيداً من ذلك.

20 مليار دينار… أين ذهبت الأموال؟

التحليل المطروح يضع رقم 20 مليار دينار في قلب الأزمة، باعتباره حجم التمويل الذي حصلت عليه الدولة من النظام المصرفي والبنك المركزي خلال العامين الماضيين.

السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كم اقترضت الدولة؟

بل: ماذا أنتج هذا الاقتراض؟

إذا تحولت الأموال المقترضة إلى استثمارات في الكهرباء والمياه والنقل والموانئ والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية الرقمية، فإن الدين يمكن أن يساهم، على المدى الطويل، في رفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

أما إذا استُخدم الجزء الأكبر من التمويل لتغطية نفقات جارية أو سداد ديون قديمة وتمويل العجز دون زيادة مقابلة في القدرة الإنتاجية، فإن المشكلة تصبح أكثر صعوبة: الدين يرتفع، بينما لا يرتفع الناتج بنفس السرعة.

وهنا تظهر خطورة ما يسمى فخ الدين.

عندما ينمو الدين أسرع من الاقتصاد

بحسب الأرقام الواردة في التحليل، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي التونسي بنحو 13.67% بين 2021 ومنتصف 2026، في حين ارتفع الدين الحكومي بحوالي 42% خلال الفترة نفسها.

إذا صحت هذه المقارنة على أساس متجانس، فإنها تكشف مشكلة واضحة: الدين ينمو بوتيرة أسرع بكثير من الاقتصاد.

وهذا يعني أن الدولة تحتاج إلى اقتراض جديد بصورة متواصلة لتمويل احتياجاتها، في الوقت الذي لا تحقق فيه البلاد نمواً قوياً بما يكفي لتوسيع قاعدة الإيرادات وخفض عبء الدين.

وبعبارة أبسط: إذا اقترضت أكثر مما تنمو، فإن قدرتك على سداد الديون تصبح أصعب مع مرور الوقت.

البطالة بين أصحاب الشهادات… المشكلة الأكثر إيلاماً

من أكثر المؤشرات دلالة على أزمة النمو ارتفاع البطالة بين خريجي التعليم العالي، التي بلغت، وفق المعطيات المقدمة، 26.6% خلال الربع الثاني من 2026.

هذه النسبة تكشف مشكلة تتجاوز البطالة نفسها: الاقتصاد لا يخلق العدد الكافي من الوظائف التي تتناسب مع مستوى التعليم والمهارات الموجودة في البلاد.

تونس تستثمر سنوات طويلة في تعليم الشباب، ثم تجد نفسها عاجزة عن توفير وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة لهم.

والنتيجة هي هجرة الكفاءات، أو قبول وظائف منخفضة الأجر، أو البقاء خارج سوق العمل.

لماذا لا يكفي الاستهلاك لإنقاذ الاقتصاد؟

في الربع الثاني من 2026، ساهم الطلب الداخلي والاستهلاك في دفع النمو، وفق المعطيات المقدمة، مع ارتفاع الاستهلاك بنحو 3.3%.

لكن الاستهلاك ليس بديلاً عن الاستثمار.

عندما تشتري الأسرة سيارة أو هاتفاً أو مواد غذائية، فإن ذلك يرفع النشاط الاقتصادي على المدى القصير. لكن النمو المستدام يحتاج أيضاً إلى مصانع جديدة، ومؤسسات تصدر منتجاتها، وتكنولوجيا، وبنية تحتية، واستثمارات ترفع إنتاجية العامل التونسي.

الاقتصاد الذي يستهلك أكثر من دون أن ينتج أكثر يواجه في النهاية مشكلة أخرى: ارتفاع الواردات واتساع العجز التجاري.

وهذا ما يجعل الاعتماد المفرط على الاستهلاك الداخلي نقطة ضعف وليس بالضرورة نقطة قوة.

الاستثمار الأجنبي وحده لا يستطيع حل المشكلة

الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يكون عاملاً مهماً في خلق الوظائف ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال النصف الأول من 2026 ساهمت في خلق أكثر من 14 ألف وظيفة.

لكن 14 ألف وظيفة تظل غير كافية عندما يكون الاقتصاد أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، وخاصة الشباب وخريجي الجامعات.

الحل إذن لا يمكن أن يكون انتظار المستثمر الأجنبي وحده، بل يحتاج إلى خلق بيئة تجعل المؤسسة التونسية نفسها تستثمر وتتوسع وتصدر وتوظف.

الاقتصاد الموازي… الثروة الموجودة خارج الدورة الرسمية

هناك جانب آخر في المعادلة يتعلق بالاقتصاد الموازي.

فإدماج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية في الدورة الاقتصادية الرسمية يمكن أن يوسع القاعدة الجبائية، ويحسن قدرة الدولة على تحصيل الضرائب، ويوفر للمؤسسات غير الرسمية إمكانية الوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية.

كما أن توسيع قاعدة المتعاملين مع البنوك يمكن أن يجعل السياسة النقدية أكثر فعالية.

لكن الحديث عن إدماج الاقتصاد الموازي لا يجب أن يتحول إلى مجرد شعار. المطلوب هو تبسيط الإجراءات، وخفض كلفة الانتقال إلى القطاع الرسمي، وتوفير حوافز حقيقية للمؤسسات والأفراد حتى تصبح ممارسة النشاط الاقتصادي بصورة قانونية أكثر جاذبية من البقاء خارج النظام.

هل الحل في خفض الفائدة إلى 5%؟

الدعوة إلى خفض سعر الفائدة من أجل تحفيز الاستثمار تبدو منطقية في الظاهر، لكنها ليست وصفة سحرية.

خفض الفائدة في اقتصاد يعاني التضخم قد يؤدي إلى زيادة الطلب والسيولة، وبالتالي إلى مزيد من الضغوط التضخمية إذا لم يرتفع الإنتاج بالتوازي.

المطلوب ليس فقط قروضاً أرخص، وإنما قروض توجه إلى الاستثمار والإنتاج والتصدير وخلق الوظائف.

بمعنى آخر، المشكلة ليست في سعر المال فقط، وإنما في ماذا نفعل بهذا المال؟

تونس تحتاج إلى استثمار… لا إلى مزيد من الاستهلاك

الكهرباء والمياه والنقل والموانئ والمطارات والجامعات والمستشفيات والبنية الرقمية ليست مجرد خدمات عامة.

إنها جزء من القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

عندما تنقطع الكهرباء، تخسر المصانع ساعات إنتاج. وعندما لا تتوفر المياه بصورة مستقرة، ترتفع كلفة النشاط الاقتصادي. وعندما تكون الموانئ والنقل بطيئين، تصبح الصادرات التونسية أقل قدرة على المنافسة.

لذلك فإن الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يتحول إلى استثمار في النمو نفسه.

لكن تمويل هذه المشاريع بالدين وحده ليس حلاً أيضاً. تونس تحتاج إلى مزيج من التمويل: استثمار خاص، استثمار أجنبي، شراكات بين القطاعين العام والخاص، تمويلات دولية بشروط مناسبة، وإصلاحات مالية تسمح للدولة باستعادة هامش التحرك.

هل تستطيع تونس تحقيق نمو بـ5%؟

الهدف في حد ذاته ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب تغييراً عميقاً في محركات النمو.

تحقيق نمو حقيقي في حدود 5% سنوياً يحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر، ويصدر أكثر، ويستثمر أكثر، ويرفع إنتاجية العامل، ويخلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة.

أما الاعتماد على الاستهلاك والاقتراض الحكومي والسياحة والزراعة وحدها فلن يكون كافياً.

تونس تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يستهلك ما ينتجه الآخرون إلى اقتصاد ينتج ويصدر وينافس.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية.

الدينار وحده لا يصنع الثروة

يمكن للدولة أن تقترض بالدينار، ويمكن للبنك المركزي أن يوفر السيولة، ويمكن للحكومة أن تنفق أكثر.

لكن لا يمكن خلق الثروة بمجرد زيادة كمية الأموال.

الثروة الحقيقية تأتي من الإنتاج: مصنع جديد، شركة تصدر إلى الخارج، مهندس يطور منتجاً، فلاح يرفع إنتاجيته، مؤسسة سياحية تزيد مداخيلها، شركة تكنولوجيا تبيع خدماتها إلى الخارج، أو بنية تحتية تجعل الاقتصاد أكثر كفاءة.

ولهذا فإن تونس لا تحتاج فقط إلى مزيد من الأموال في الاقتصاد، بل إلى مزيد من الإنتاجية والاستثمار والتصدير.

الخلاصة: المشكلة ليست في رقم 2.3% فقط

القصة المحزنة وراء نمو الـ2.3% ليست أن الاقتصاد التونسي لا ينمو.

القصة أن النمو الحالي يبدو ضعيفاً مقارنة بحجم التحديات التي تواجهها البلاد.

الدين يرتفع، والبطالة لا تزال مرتفعة، وخاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، والاستثمار لا يزال دون مستوى يسمح بإحداث تحول اقتصادي، بينما تواجه الأسر ضغوطاً متزايدة بسبب الأسعار.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط:

كم نما الاقتصاد؟

بل:

كم وظيفة خلق؟ وكم شركة جديدة ظهرت؟ وكم زادت الصادرات؟ وكم ارتفعت إنتاجية العامل؟ وكم تحسنت قدرة الأسرة التونسية على الادخار؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة ضعيفة، فإن نسبة النمو وحدها لن تكون كافية لإقناع التونسي بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.

تونس لا تحتاج إلى نمو اقتصادي على الورق فقط.

تونس تحتاج إلى نمو يراه المواطن في راتبه، وفي عمله، وفي فاتورة الكهرباء والماء، وفي المستشفى، وفي النقل، وفي قدرته على الادخار، وفي مستقبل أبنائه.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية: ليس كم أنفقت الدولة، وإنما كم ثروة جديدة خلقت.