اعتبر الصحفي البارز ومدير موقع بيزنس نيوز، نزار بهلول، أن الاعتراف بوقوع أخطاء أو مبالغات في تناول بعض الملفات المتعلقة بالإسلاميين بعد الثورة لا ينبغي أن يتحول، بحسب تعبيره، إلى « إعادة كتابة » تاريخ تلك المرحلة أو تقديم الإسلاميين كضحايا لحملة ممنهجة استهدفتهم على امتداد السنوات الماضية.
وجاء موقف بهلول في مقال مطول كتبه على خلفية الجدل الذي أثارته الباحثة والجامعية راجا بن سلامة، بعد نشرها نصًا أقرت فيه بأنها صدقت، على مدى سنوات، روايات ومعلومات قالت إنها كانت جزءًا من حملات تضليل استهدفت قيادات إسلامية، مؤكدة في الوقت نفسه أن مراجعتها لا تعني تخليها عن معارضتها للإسلام السياسي، بل تقتصر على مراجعة بعض الأساليب والخطابات التي رافقت ذلك الصراع.
ورأى بهلول أن ممارسة النقد الذاتي تمثل قيمة إيجابية في أي نظام ديمقراطي، وأن الاعتراف بالأخطاء أو بتوظيف معلومات غير دقيقة في السجال السياسي يعد أمرًا صحيًا يعزز مصداقية الفاعلين السياسيين والإعلاميين. لكنه شدد على أن هذا الاعتراف يجب ألا يفضي إلى استنتاج مفاده أن مجمل الرواية المتعلقة بأداء الإسلاميين بعد الثورة كانت قائمة على الأكاذيب أو الافتراءات.
وأكد أن هناك فرقًا جوهريًا بين الخطأ والكذب، موضحًا أن الخطأ قد يكون ناجمًا عن التسرع أو سوء التقدير أو الاعتماد على معلومات غير مكتملة، في حين أن الكذب يفترض اختلاق وقائع لا أساس لها من الصحة بقصد تضليل الرأي العام. وبحسب رأيه، فإن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى نتائج خاطئة، من بينها تصوير كل الانتقادات التي وُجهت للإسلاميين خلال العقد الماضي باعتبارها مجرد حملات تشويه منظمة.
وفي هذا السياق، استعرض بهلول عددًا من الأمثلة التي وردت في نص رجاء بن سلامة، معتبرا أن بعضها لا يمكن اعتباره أكاذيب بالمعنى الدقيق، وإنما يتعلق بتقديرات أو معطيات ثبت لاحقًا أنها غير دقيقة في بعض تفاصيلها، دون أن يلغي ذلك وجود الوقائع الأصلية التي استندت إليها.
ففي ما يتعلق بملف التعويضات وجبر الضرر، أشار إلى أن آلاف المنتمين إلى التيار الإسلامي استفادوا بعد الثورة من إجراءات إدماج في الوظيفة العمومية وإعادة احتساب للمسارات المهنية، كما أن مسار العدالة الانتقالية كان يتضمن مطالبات بتعويضات مالية، وهو ما يجعل الحديث عن هذا الملف، وفق رأيه، أكثر تعقيدًا من اختزاله في كونه « إشاعة » أو « كذبة ».
كما تناول قضية التحويل المالي المعروف إعلاميًا بـ »المليار الصيني »، مبرزًا أن بعض التفاصيل التي تم تداولها آنذاك كانت غير دقيقة، سواء من حيث قيمة المبلغ أو طبيعة الحساب الذي أودع فيه، إلا أن ذلك لا ينفي، بحسب قوله، وقوع التحويل المالي في حد ذاته، وهو ما يجعل الحديث عن « كذبة » أمرا غير دقيق.
وفي ملف الاغتيالات السياسية، ولا سيما اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أكد بهلول أن القضاء لم يثبت مسؤولية حركة النهضة عن تنفيذ تلك الجرائم، وأن أحكام القضاء يجب احترامها. لكنه اعتبر، في المقابل، أن ذلك لا يكفي للقول إن جميع الشبهات التي أثيرت طوال السنوات الماضية كانت مجرد اختلاق، مشيرًا إلى أن البلاد كانت تعيش آنذاك في مناخ اتسم بالعنف السياسي وتصاعد خطاب الكراهية ووجود جماعات متشددة، وهو ما ساهم في نشوء تلك الشبهات.
وانتقد بهلول ما وصفه بغياب أي مراجعة ذاتية مماثلة داخل التيار الإسلامي، متسائلًا عن سبب مطالبة خصوم الإسلاميين وحدهم بالاعتراف بأخطائهم، في حين لم تصدر، بحسب رأيه، مراجعات جدية من الإسلاميين بشأن مواقفهم أو خطاباتهم أو مسؤولياتهم السياسية خلال سنوات الحكم.
واعتبر أن الإسلاميين لم يقدموا اعتذارات عن حملات التحريض التي استهدفت معارضيهم، ولا عن توظيف المساجد في الصراع السياسي، ولا عن الخطابات التي طالت إعلاميين وفنانين ومثقفين، كما لم يقروا، وفق تقديره، بمسؤولياتهم عن المناخ السياسي الذي سبق أحداث الخامس والعشرين من جويلية 2021.
وشدد بهلول على أن الدفاع عن حق الإسلاميين في محاكمات عادلة وفي قضاء مستقل لا يتعارض مع تحميلهم مسؤولياتهم السياسية، مؤكدًا أن رفض الملفات المفبركة أو المحاكمات ذات الطابع السياسي لا يعني تبرئة التجربة التي قادتها حركة النهضة أو محو ما شابها من أخطاء وتجاوزات.
وخلص إلى أن الديمقراطية تقتضي احترام حقوق جميع الخصوم السياسيين دون استثناء، لكنها تقتضي أيضًا الحفاظ على الذاكرة الجماعية وعدم تحويل النقد الذاتي إلى أداة لإعادة صياغة التاريخ بصورة تجعل الإسلاميين يظهرون باعتبارهم الضحية الرئيسية للعقد الذي أعقب الثورة.
وختم بهلول مقاله بالتأكيد على أن الاعتراف بالأخطاء فضيلة، لكنه شدد في المقابل على أن النسيان ليس كذلك، معتبرا أن المصالحة مع الماضي لا يمكن أن تقوم على تجاهل الوقائع أو إسقاط المسؤوليات، وإنما على قراءة متوازنة للتجربة التونسية، تعترف بأخطاء جميع الأطراف وتحافظ في الوقت نفسه على حقيقة ما شهدته البلاد خلال تلك المرحلة.
لأن الخصم الديمقراطي يقبل النقد، حتى عندما يكون في صالحه.
أما الحركة المنغلقة داخل منطق المظلومية، فهي لا تقبل أبدًا إلا شيئًا واحدًا: أن يُقال إنها على حق.
ولهذا أرفض أن أطلب الصفح من الإسلاميين، لأنني لست فاقدًا للذاكرة. فالمغفرة فضيلة، أما النسيان فهو خطيئة.



