تكشف وفاة والدة رئيس مكتب الاتصال للجمهورية التونسية لدى السلطة الفلسطينية، حبيب بن فرح، عن جانب إنساني مؤلم لوضعية دبلوماسي تونسي يقيم في رام الله منذ سنوات طويلة، في ظل تعقيدات التنقل ومغادرة الأراضي الفلسطينية.
ووفق ما نشر أفراد من عائلته، فقد انتقلت والدته إلى رحمة الله، غير أن ابنها الموجود في رام الله لم يتمكن من العودة إلى تونس لحضور جنازتها، في حادثة تعيد إلى الواجهة وضعية استثنائية طال أمدها داخل التمثيل الدبلوماسي التونسي.
وكانت «تونيزي تيليغراف» قد تناولت في وقت سابق وضعية حبيب بن فرح الذي يتولى مهمته في رام الله منذ سنة 2015، دون أن يعود إلى تونس منذ ذلك التاريخ ودون أن يتم تعويضه.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن مغادرة رام الله والعودة إلى تونس ليست مسألة إدارية عادية، إذ ترتبط بإجراءات وموافقات من السلطات الإسرائيلية، وهو ما يجعل حركة الدبلوماسيين في المنطقة خاضعة لتعقيدات تتجاوز في جانب منها إرادة البعثة التونسية.

11 عاماً دون عطلة سنوية
الأكثر إثارة في هذه الوضعية أن فرح بن حبيب لم يحصل، وفق المعطيات المتوفرة، على عطلته السنوية منذ نحو 11 عاماً، وهو ما يطرح أسئلة جدية على المستويين الإداري والإنساني.
فالدبلوماسي يقضي سنوات متواصلة خارج تونس، وفي منطقة شهدت خلال هذه الفترة تحولات أمنية وسياسية عميقة، بينما يفترض أن تضمن القواعد الإدارية للدبلوماسيين آليات واضحة للعطل والتعويض عنها.
ولا تتوقف المسألة عند الجانب الإنساني، إذ إن أنظمة وزارة الشؤون الخارجية تضبط آليات التعويض عن العطل غير المستعملة، ولا تسمح، وفق المعطيات المتوفرة، باحتساب تعويض مالي يتجاوز سنتين من العطل.
وبذلك تبدو الوضعية شديدة الاستثنائية: سنوات طويلة بعيداً عن تونس، عطل سنوية لم يتمكن من الاستفادة منها، وحقوق مالية لا يمكن أن تغطي كامل الفترة المتراكمة.
لكن لماذا استمر البقاء في رام الله كل هذه السنوات؟
هنا تبرز النقطة الأكثر إثارة في هذه القضية.
فإذا كانت مغادرة رام الله تتطلب إجراءات وموافقات معقدة، فإن السؤال المشروع هو: هل كانت هذه الظروف وحدها وراء استمرار الدبلوماسي التونسي في موقعه طوال 11 عاماً؟
أم أن استمرار هذه المهمة الطويلة كان مرتبطاً أيضاً بإرادة شخصية من الدبلوماسي لمواصلة الإقامة والعمل في رام الله؟
السؤال لا يعني بأي شكل من الأشكال التشكيك في الصعوبات الأمنية والسياسية التي تحيط بالعمل الدبلوماسي في الأراضي الفلسطينية، لكنه يطرح مسألة إدارية واضحة:
من الذي قرر استمرار هذه الوضعية طوال هذه السنوات؟ وهل طلب الدبلوماسي في أي مرحلة العودة إلى تونس أو استبداله؟ وهل تقدمت وزارة الشؤون الخارجية فعلاً بإجراءات عملية لإنهاء هذه المهمة وتمكينه من العودة؟
وإذا كانت الإجابة أن الظروف الخارجية حالت دون ذلك، فإن من حق الرأي العام معرفة طبيعة هذه العراقيل ومدى استمرارها.
أما إذا كانت هناك اعتبارات أخرى وراء استمرار المهمة، فإن ذلك يطرح بدوره سؤالاً حول كيفية إدارة المهمات الدبلوماسية طويلة المدى، وحقوق الدبلوماسي في العطلة، وآليات التداول على المناصب بالخارج.
بعثة صغيرة في واحدة من أصعب المناطق
ويعمل رئيس مكتب الاتصال التونسي في رام الله ضمن فريق دبلوماسي محدود للغاية، لا يتجاوز، وفق المعطيات التي نشرتها «تونيزي تيليغراف» سابقاً، ثلاثة أعوان.
ويتحمل رئيس المكتب، في ظل محدودية الطاقم، جانباً مهماً من الأعمال الإدارية اليومية، فضلاً عن متابعة أوضاع أفراد الجالية التونسية المقيمة في الأراضي الفلسطينية، والتي يقدر عددها بنحو 200 شخص.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تسلم أوراق اعتماد فرح بن حبيب في 10 أكتوبر 2015.
وكان بن حبيب قد شغل قبل ذلك منصب قائم بأعمال السفير التونسي لدى فلسطين بين عامي 2009 و2015، خلفاً للسفير أحمد الحباسي.
من 2015 إلى اليوم.. أكثر من عقد في رام الله
وبالنظر إلى التسلسل الزمني، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمهمة دبلوماسية عادية امتدت لفترة أطول من المعتاد، وإنما بوضعية استمرت أكثر من عقد.
وخلال هذه الفترة، تغيرت المنطقة بصورة جذرية، واندلعت الحرب في غزة، وتصاعدت التوترات في الضفة الغربية، فيما أصبحت حركة التنقل من وإلى الأراضي الفلسطينية أكثر تعقيداً.
وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد عاد في تصريحات سابقة إلى وضعية التمثيل التونسي في فلسطين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، مشيراً إلى أن سفير تونس في رام الله بقي محاصراً في المنطقة لسنوات ولم يتمكن من العودة إلى تونس.
مأساة شخصية تفتح ملفاً إدارياً
غير أن وفاة والدة الدبلوماسي تضفي هذه المرة بعداً إنسانياً بالغ القسوة على القضية.
فبعيداً عن الحسابات السياسية والدبلوماسية، يجد رجل يمثل الدولة التونسية في الخارج نفسه غير قادر على العودة إلى بلاده لتوديع والدته ودفنها.
وهنا يتحول السؤال من مجرد قضية تتعلق بمهمة دبلوماسية طويلة إلى سؤال أوسع حول حدود قدرة الدولة على حماية مصالح وحقوق دبلوماسييها العاملين في مناطق استثنائية.
هل كان بالإمكان إنهاء هذه الوضعية قبل سنوات؟ هل طُرحت فعلاً إمكانية تعويضه؟ هل طلب هو العودة؟ وهل كان استمرار وجوده في رام الله طوال هذه الفترة ضرورة للدولة التونسية أم خياراً استمر لأسباب أخرى؟
أم أن جزءاً من هذه الإقامة الطويلة كان أيضاً نتيجة قرار شخصي بالاستمرار في رام الله؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال توضيح رسمي من وزارة الشؤون الخارجية، خصوصاً أن القضية أصبحت اليوم مرتبطة ليس فقط بمسار مهني امتد لأكثر من عقد، وإنما أيضاً بمأساة إنسانية حقيقية تمثلت في عجز دبلوماسي تونسي عن العودة إلى وطنه لحضور جنازة والدته.
وفي انتظار هذه التوضيحات، تبقى قصة فرح بن حبيب حالة استثنائية في السلك الدبلوماسي التونسي:
11 عاماً في رام الله، دون عودة إلى تونس ودون عطلة سنوية وفق المعطيات المتوفرة، ثم مأساة شخصية جعلته يفقد والدته وهو بعيد عنها.