شنّ وزير التكوين المهني والتشغيل السابق فوزي عبد الرحمان هجوما لاذعا على توصيف الأحزاب الديمقراطية واليسارية لأزمة الماء والكهرباء في تونس، رافضا إرجاع الأزمة إلى ما وصفه بيانها بـ«فشل المنوال الليبرالي».
وقال عبد الرحمان، في تفاعل مع بيان الأحزاب الديمقراطية واليسارية الصادر يوم 28 أوت 2026، إن تشخيص البيان لخطورة أزمة الماء والكهرباء و«فشل السلطة في تأمين أبسط مقومات العيش» صحيح، لكنه اعتبر أن الأحزاب «أخطأت التسمية»، مؤكدا أن الواقع الاقتصادي التونسي، وفق قراءته، لا يعكس منوالا ليبراليا.
ووجّه الوزير السابق أصابع الاتهام مباشرة إلى منظومة المؤسسات العمومية، قائلا إن الشركة التونسية للكهرباء والغاز» والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياههما «احتكاران عموميان بلا أي منافس مباشر أو غير مباشر».
«تونس لم تكن يوما دولة سوق ليبرالي»
واعتبر عبد الرحمان أن الحديث عن «الفشل الليبرالي» في تونس يتجاهل طبيعة الاقتصاد التونسي، مشيرا إلى أن مخطط التنمية 2026-2030، الذي قال إنه يمتد على نحو 600 صفحة، لا يتضمن، بحسب قراءته، أي ذكر لـ«الخوصصة» أو «اقتصاد السوق»، مقابل تسع إشارات إلى تعزيز دور المؤسسات العمومية.
وأضاف أن تونس «لم تكن يوما دولة سوق ليبرالي»، حتى في عهد الوزير الأول الأسبق الراحل الهادي نويرة.
وبدل ذلك، وصف عبد الرحمان الاقتصاد التونسي بأنه «اقتصاد ريعي حكومي» واقتصاد مغلق، يفتقر، وفق تقديره، إلى رؤية وتخطيط استراتيجي حقيقي، وإلى سوق تنافسية واندماج فعلي في سلاسل القيمة العالمية.
«الدولة تملك كل شيء ولا تُحاسب على شيء»
وفي واحدة من أكثر النقاط حدة في مداخلته، اعتبر عبد الرحمان أن جوهر الأزمة يكمن في غياب المنافسة والمساءلة عن المؤسسات العمومية، وليس في وجود القطاع الخاص أو ما يسمى بالمنوال الليبرالي.
وقال إن هناك «عجزا استثماريا تراكميا» في شبكات تملكها الدولة وتديرها وحدها منذ عقود، معتبرا أن ذلك ترافق مع تراجع الابتكار والمبادرة الخاصة.
كما انتقد طريقة إدارة المؤسسات العمومية، قائلا إن مهام مجالس الإدارة «صودرت في أغلبها لصالح سلطة الإشراف الحكومية»، فيما تقلصت صلاحيات الإدارات العامة إلى مجرد تسيير محدود.
أزمة المياه المعلبة.. «القطاع الخاص دفع ثمن فشل الستاغ
وبخصوص أزمة نقص المياه المعلبة، أقر عبد الرحمان بأن الشركات الخاصة المنتجة للمياه عانت بدورها من نقص حاد، لكنه رفض اعتبار ذلك دليلا على فشل القطاع الخاص.
وقال إن اضطرابات الكهرباء نفسها أدت إلى إبطاء أو توقف خطوط إنتاج شركات المياه المعدنية الخاصة، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في الطلب خلال موجة الحر واضطراب آليات التخزين بسبب سياسات عمومية، وفق تقديره.
وبذلك، يرى عبد الرحمان أن الحلقة السببية تبدأ من أزمة المرفق العمومي للكهرباء، قبل أن تمتد آثارها إلى القطاع الخاص، معتبرا أن الأزمة «نتيجة تبعية لفشل الاحتكار العمومي للطاقة» وليست فشلا مستقلا لمنطق السوق.
رسالة إلى اليسار: «سمّوا الداء باسمه»
وذهب الوزير السابق إلى انتقاد المرجعية الفكرية للبيان، معتبرا أن الدفاع عن الملكية العمومية دون مساءلة حقيقية لأداء المؤسسات لا يمثل، في رأيه، جوهر الاشتراكية الديمقراطية.
واستشهد بما وصفه بنموذج «اقتصاد السوق الاجتماعي» في ألمانيا والنمسا وهولندا، حيث توجد ملكية عمومية في قطاعات مختلفة، لكنها تخضع، وفق تصوره، لقواعد المنافسة والانضباط المؤسسي والمساءلة.
وقال إن بيان الأحزاب الديمقراطية واليسارية كان يمكن أن يكون «أقوى وأصدق وأكثر انسجاما مع مرجعية اليسار نفسه» لو أنه اعتبر أن المشكلة ليست «الليبرالية»، وإنما «غياب المساءلة والمنافسة عن دولة تملك كل شيء تقريبا ولا تُحاسب على شيء تقريبا».
وختم عبد الرحمان مداخلته بعبارة لافتة، قائلا إن «تسمية الداء باسمه الصحيح شرط أول لا غنى عنه لعلاجه».
وفي ما وصفه بـ«مزاح جاد لا جزم علمي»، ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن «الجزء الاشتراكي» الوحيد المتبقي فعليا وبشكل كامل في المنوال التونسي، والمتمثل في الملكية العمومية الحصرية لقطاعي الماء والكهرباء، «هو بالضبط ما تسبب في الأزمة، لا الجزء الليبرالي الذي يفتش عنه البيان في مكان لا وجود له فيه أصلا».
- الأحزاب المعنية هي (حزب القطب، والحزب الاشتراكي، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي
