الرئيسيةأخبار تونسيوم قال بورقيبة لوزير الفلاحة " جيبلي القانون نقطعو "

يوم قال بورقيبة لوزير الفلاحة  » جيبلي القانون نقطعو « 

في خضم النقاش المتصاعد حول أزمة الكهرباء في تونس، وارتفاع الطلب خلال أشهر الصيف، وتوسع الاعتماد على الطاقة الشمسية، طرح وزير الطاقة والمناجم السابق المنجي مرزوق مسألة تتجاوز مجرد زيادة إنتاج الكهرباء إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن تخزين الطاقة عندما لا تكون هناك حاجة إليها، ثم استخدامها عندما يرتفع الطلب؟

مرزوق استحضر في هذا السياق حكاية تعود إلى عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، تتعلق بالسدود وتخزين المياه، ليضعها في مواجهة سؤال معاصر يتعلق بتخزين الكهرباء بواسطة البطاريات.

ويروي مرزوق أن وزيراً سابقاً حدثه عن واقعة تعود إلى فترة حكم بورقيبة. فقد قدم مكتب دراسات إلى وزير الفلاحة آنذاك مجموعة من المقترحات المتعلقة ببناء سدود، وكان ضمن الفريق الذي أعد الدراسة الشخص الذي روى له القصة.

وبحسب الرواية، تضمنت الدراسة مقترحاً إضافياً لم يكن مدرجاً ضمن القائمة الأساسية، لكنه كان يتمتع، وفق أصحاب الدراسة، بمردودية عالية، غير أن تنفيذه لم يكن ممكناً بسبب عائق قانوني.

ذهب الوزير إلى بورقيبة وعرض عليه المقترحات، كما أخبره بالمشروع الإضافي الذي يمنعه القانون.

ويقول مرزوق إن رد بورقيبة كان حاسماً: «جيبلي القانون نقطعو».

وبعيداً عن تفاصيل الحكاية التاريخية، يرى مرزوق أن الفكرة تستحق الاستحضار اليوم في سياق آخر: السدود تخزن المياه، والبطاريات تخزن الكهرباء.

وهنا تبدأ المشكلة التونسية الحديثة.

الشبكة كأنها بطارية مجانية

تونس تعتمد في قطاع الجهد المنخفض نظام القياس الصافي أو ، وهو نظام يسمح للمستهلك الذي ينتج الكهرباء من الألواح الشمسية بإرسال فائض الإنتاج إلى الشبكة والحصول على رصيد يُحتسب وفق التعريفة المعتمدة.

وهذا النظام كان له دور مهم في تشجيع الإنتاج الذاتي للطاقة الشمسية، لكنه يخلق، في المقابل، إشكالاً اقتصادياً عندما يتعلق الأمر بالبطاريات.

فالمستهلك الذي ينتج الكهرباء خلال ساعات النهار، عندما تكون الشمس قوية والإنتاج مرتفعاً، يستطيع ضخ فائض الكهرباء إلى الشبكة، ثم استرجاع الكهرباء لاحقاً عندما يحتاج إليها.

وبذلك تصبح الشبكة، من وجهة نظر المستهلك، أشبه بـ «بطارية افتراضية».

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يدفع المواطن آلاف الدنانير لاقتناء بطارية وتحمّل كلفة تركيبها وصيانتها وتراجع كفاءتها مع مرور الزمن، إذا كان بإمكانه استخدام الشبكة نفسها لتخزين فائض إنتاجه بصورة غير مباشرة؟

هذه هي المفارقة الأساسية التي تجعل نظام القياس الصافي الكامل، من الناحية الاقتصادية، أقل تشجيعاً على الاستثمار في البطاريات خلف العداد.

البطارية موجودة.. لكن على حساب من؟

المشكلة لا تتوقف عند المستهلك الذي ينتج الكهرباء الشمسية.

ففي نظام التعويض بالتعريفة الكاملة، يحصل منتج الطاقة الشمسية على قيمة مرتفعة نسبياً مقابل الكهرباء التي يضخها إلى الشبكة، في حين أن الشبكة نفسها تتحمل تكاليف نقل الكهرباء وتوزيعها وصيانتها، حتى عندما يكون صاحب المنشأة الشمسية قد خفّض من استهلاكه الصافي.

وبالتالي، يمكن أن تنتقل بعض تكاليف النظام الكهربائي بصورة غير مباشرة إلى بقية الحرفاء الذين لا يملكون ألواحاً شمسية، بمن فيهم مواطنون أقل قدرة على الاستثمار في تجهيزات الإنتاج الذاتي.

وتبرز هنا مسألة العدالة في توزيع كلفة الشبكة.

فالكهرباء الشمسية المنزلية قد تقلل فاتورة صاحبها، لكنها لا تلغي تكلفة الشبكة التي يحتاج إليها في الليل، أو في الأيام التي يكون فيها الإنتاج الشمسي منخفضاً، أو عندما يحتاج إلى كميات أكبر من الكهرباء.

مشكلة أخرى: الساعة التي تنتج فيها الكهرباء

هناك مشكلة إضافية أكثر تقنية، لكنها شديدة الأهمية.

فالقياس الصافي التقليدي لا يميز بالضرورة بين قيمة الكهرباء التي يتم ضخها في الشبكة في منتصف النهار، وقيمة الكهرباء التي يتم ضخها في فترة المساء عندما يصل الطلب إلى مستويات مرتفعة.

وهذا يعني أن الكيلوواط/ساعة ليس له دائماً القيمة نفسها.

في منتصف النهار، يمكن أن تكون الشبكة أمام وفرة نسبية في الطاقة الشمسية.

أما في المساء، فتتغير المعادلة تماماً: يتراجع الإنتاج الشمسي في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب، خصوصاً مع تشغيل أجهزة التكييف وغيرها من التجهيزات المنزلية.

ومن هنا تظهر القيمة الحقيقية للبطارية: أن تأخذ الكهرباء عندما تكون متوفرة، ثم تعيد ضخها عندما تصبح أكثر قيمة.

لكن نظام القياس الصافي لا يعطي، في صورته التقليدية، حافزاً قوياً للمستهلك للقيام بذلك.

تجربة كاليفورنيا: تغيير قواعد اللعبة

واجهت ولاية كاليفورنيا الأميركية المشكلة نفسها، وذهبت إلى تعديل نظامها المعروف باسم نام.

ففي نظام  » نام 03 « ، تم خفض قيمة الكهرباء التي يعوض عنها المنتج عند ضخ فائض الطاقة الشمسية إلى الشبكة بشكل كبير مقارنة بالنظام السابق.

وأصبح التعويض أقرب إلى القيمة الفعلية للكهرباء التي تتجنب الشبكة شراءها، مع اختلاف القيمة بحسب الوقت واليوم والشهر.

الفكرة الأساسية كانت واضحة: عدم منح الكهرباء الشمسية المصدرة إلى الشبكة القيمة نفسها التي تتمتع بها الكهرباء التي يستهلكها صاحب الألواح مباشرة.

وبذلك أصبح هناك فارق اقتصادي أكبر بين حالتين:

إما أن يبيع المواطن الكهرباء إلى الشبكة بسعر تصدير أقل، أو يخزنها في بطارية ثم يستخدمها لاحقاً عندما ترتفع قيمة الكهرباء.

وهكذا يتحول الاستثمار في البطاريات من خيار تقني مكلف إلى خيار يمكن أن يكون منطقياً اقتصادياً.

كما لجأت كاليفورنيا إلى حوافز مستقلة لدعم البطاريات، بدلاً من استخدام تعريفة التصدير المرتفعة كوسيلة غير مباشرة لدعم التخزين.

أستراليا اختارت طريقاً مختلفاً

أما أستراليا، فقد اتبعت مساراً مختلفاً.

فمع الانتشار الهائل للطاقة الشمسية المنزلية، أصبح إنتاج الكهرباء في منتصف النهار مرتفعاً جداً في بعض المناطق، إلى درجة تراجع أسعار الكهرباء في سوق الجملة إلى مستويات شديدة الانخفاض، بل وأحياناً إلى الصفر أو السالب.

وهنا ظهرت مشكلة جديدة: ماذا يفعل صاحب الألواح الشمسية بفائض الإنتاج عندما تكون قيمته في السوق منخفضة جداً؟

الجواب أصبح واضحاً بصورة متزايدة: يخزنه.

فبدلاً من تصدير الكهرباء الشمسية إلى الشبكة خلال ساعات انخفاض قيمتها، يمكن تخزينها ثم استخدامها في المساء عندما ترتفع قيمة الكهرباء.

وبحسب المقاربة الأسترالية، يحصل المنزل أولاً على حاجته من إنتاجه الشمسي، ثم يصدر الفائض إلى الشبكة مقابل تعريفة تصدير منفصلة، غالباً أقل بكثير من سعر الكهرباء التي يشتريها من الشبكة.

وهذا الفارق بين سعر الكهرباء المستهلكة وقيمة الكهرباء المصدرة هو الذي يصنع الحافز الاقتصادي للبطاريات.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى تونس؟

هنا تصبح حكاية بورقيبة التي استحضرها المنجي مرزوق أكثر من مجرد قصة تاريخية.

فكما احتاجت تونس في مرحلة بناء الدولة إلى التفكير في تخزين المياه عبر السدود، فإن الانتقال إلى منظومة كهربائية تعتمد بدرجة أكبر على الطاقة الشمسية يفرض التفكير في تخزين الكهرباء.

فالطاقة الشمسية لا تنتج الكهرباء بالطريقة نفسها على مدار اليوم.

هناك فائض خلال ساعات النهار، ثم يتراجع الإنتاج مع غروب الشمس، في الوقت الذي يمكن أن يبلغ فيه الطلب ذروته.

وهذه الفجوة بين وقت إنتاج الكهرباء ووقت استهلاكها هي جوهر أزمة التخزين.

ومن دون التخزين، تحتاج تونس إلى الاحتفاظ بقدرات إنتاجية أخرى يمكن تشغيلها عند تراجع الإنتاج الشمسي، وهو ما يفرض كلفة إضافية على المنظومة.

أما البطاريات، فيمكنها أن تقوم بدور «السد الكهربائي»: تخزن الطاقة عندما تكون متوفرة، ثم تطلقها عندما تكون الحاجة إليها أكبر.

البطاريات ليست حلاً سحرياً

لكن ذلك لا يعني أن تركيب البطاريات في كل منزل هو الحل السحري لأزمة الكهرباء.

فالبطاريات تحتاج إلى استثمارات كبيرة، كما أن لها عمراً افتراضياً، وتتطلب تجهيزات خاصة وإدارة تقنية، كما أن كفاءتها ليست 100%، إذ تضيع نسبة من الطاقة خلال عمليات الشحن والتفريغ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تحتاج تونس إلى بطاريات؟

بل:

ما النظام الاقتصادي والتنظيمي الذي يجعل تخزين الكهرباء مفيداً للمستهلك وللشبكة في الوقت نفسه؟

وهنا يصبح إصلاح نظام القياس الصافي جزءاً من النقاش.

من «صافي العداد» إلى سعر الكهرباء حسب الوقت؟

أحد الخيارات الممكنة هو الانتقال تدريجياً من التعويض الموحد إلى نظام يعطي الكهرباء قيمة مختلفة حسب وقت الإنتاج والاستهلاك.

فالطاقة التي يتم تصديرها في منتصف النهار، عندما يكون الإنتاج الشمسي مرتفعاً، لا ينبغي بالضرورة أن تحصل على القيمة نفسها التي تتمتع بها الكهرباء التي يتم توفيرها للشبكة في فترة المساء.

ويمكن أن يؤدي هذا التغيير إلى خلق حافز اقتصادي واضح:

استهلك الكهرباء الشمسية عندما تنتجها، وخزن الفائض عندما تكون قيمته منخفضة، ثم استخدمه عندما تكون قيمة الكهرباء مرتفعة.

وبذلك تصبح البطارية جزءاً من الحل، وليس مجرد تجهيز إضافي مكلف.

أزمة الكهرباء تفرض إعادة التفكير

في ظل الضغط الذي شهدته تونس على شبكة الكهرباء خلال الصيف الحالي، لم يعد النقاش حول الطاقة الشمسية مقتصراً على عدد الألواح التي يمكن تركيبها أو عدد الميغاواطات التي يمكن إنتاجها.

المعضلة أصبحت أوسع:

كيف نخزن الكهرباء؟

وكيف نستفيد من الطاقة الشمسية في ساعات النهار لتخفيف الضغط عن الشبكة في المساء؟

وكيف نضع نظاماً يجعل المستهلك الذي يستثمر في الإنتاج الذاتي والتخزين شريكاً في استقرار الشبكة، بدلاً من أن يصبح مجرد مستفيد من دعم غير مباشر؟

من هذه الزاوية، تبدو المقارنة التي طرحها المنجي مرزوق بين السدود والبطاريات ذات دلالة خاصة.

فالسد يخزن الماء عندما يكون متوفراً، ليتم استخدامه عندما تشتد الحاجة إليه.

والبطارية تفعل الشيء نفسه مع الكهرباء.

وبين زمن بورقيبة وزمن الطاقة الشمسية، ربما تغيرت المادة التي نريد تخزينها، لكن المبدأ الاستراتيجي بقي نفسه: لا يكفي أن تنتج الطاقة، بل يجب أن تعرف كيف تخزنها ومتى تطلقها.

وقد يكون التحدي الحقيقي أمام تونس خلال السنوات المقبلة ليس فقط بناء مزيد من محطات الطاقة الشمسية، وإنما إعادة تصميم قواعد السوق والتعريفة حتى تصبح البطاريات استثماراً مجدياً اقتصادياً، وتتحول الطاقة الشمسية من إنتاج متقطع إلى مورد يمكن التحكم في توقيت استخدامه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى