شنّ النائب أحمد السعيداني هجوماً لاذعاً على أداء مجلس نواب الشعب، ولم يستثنِ من انتقاداته رئيس المجلس، متهماً إياه، في تدوينة نشرها، بالانشغال بافتتاح وتدشين التظاهرات والفعاليات، وصولاً إلى ما وصفه بـ**«الزرد والمهرجانات»**، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء.
واعتبر السعيداني أن حضور رئيس البرلمان في مثل هذه الأنشطة أصبح أمراً «عادياً جداً» في المشهد السياسي الحالي، منتقداً في الوقت ذاته ما قال إنه تحول عدد من أعضاء المجلس إلى ممارسة أدوار أقرب إلى العمد والمعتمدين، من خلال التركيز على الملفات المحلية والجهوية ومحاولة استرضاء الناخبين، بدل الاضطلاع بالمهام الأصلية للنائب في التشريع والرقابة ومساءلة السلطة التنفيذية.

وقال السعيداني إن المتابع للجلسة البرلمانية المقررة غداً حول وضعية الشركة التونسية للكهرباء والغاز «الستاغ» سيكتشف، وفق تقديره، أن عدداً من النواب الذين لم يكونوا يُظهرون مواقف نقدية حادة في السابق سيصعدون خطابهم داخل قبة البرلمان، من خلال توجيه انتقادات لاذعة ورفع الأصوات وضرب الطاولات والدفاع عن مناطقهم «زنقة زنقة وحوش حوش».
ورأى أن هذا الخطاب لا يعني بالضرورة تحول هؤلاء النواب إلى المعارضة، قائلاً بسخرية: «ما تخافوش، ما ولّوش في المعارضة»، معتبراً أن قرب موعد الانتخابات التشريعية يجعل جزءاً من هذه المواقف، في نظره، أقرب إلى «حملة انتخابية وتدوير عجلة».
«المواطن البسيط ماهوش فاهم شنوة دور مجلس النواب»
وذهب السعيداني إلى اعتبار أن جزءاً من المشكلة يكمن في عدم معرفة المواطن البسيط، وفق تعبيره، لطبيعة الدور الحقيقي لمجلس نواب الشعب، وهو ما يسمح، حسب تقديره، بظهور النواب خلال الجلسات في صورة المدافعين عن المواطنين والمناطق، دون أن تكون هناك بالضرورة ممارسة فعلية للوظيفة التشريعية والرقابية.
وقال إن المواطن قد يكتشف خلال جلسة «الستاغ» أن المجلس «معبي بأعضاء المجالس المحلية والعمد والمعتمدين»، في إشارة إلى ما يعتبره تداخلاً بين العمل النيابي والعمل المحلي والإداري.
وأضاف أن بعض النواب، وفق قراءته، أصبحوا يتعاملون مع العمل البرلماني بمنطق إرضاء الناخبين في مناطقهم، من خلال الدفاع عن هذا الحي أو تلك الجهة، والحديث عن مناطق «مظلومة» وأخرى «تحت الصباط»، بدل تناول الملفات الوطنية من منظور تشريعي ورقابي شامل.
«في التصويت على القروضات ما يرحموش»
لكن السعيداني وجه انتقاده الأشد إلى ما اعتبره تناقضاً بين الخطاب النقدي داخل البرلمان وبين مواقف بعض النواب عند التصويت على القروض.
وقال إن هناك نواباً «في التصويت على القروضات ما يرحموش»، معتبراً أن كلمة «لا» تكاد تكون غائبة عن قاموسهم عندما يتعلق الأمر بالتمويلات، في حين يرتفع سقف انتقاداتهم عندما يتعلق الأمر بمشاكل الكهرباء أو أوضاع مناطقهم.
واستثنى السعيداني من هذا النقد النواب الذين لا يصوتون بالموافقة على القروض، مؤكداً أن حديثه موجه إلى من وصفهم بأنهم يتبعون سياسة «oui oui» و«أخطى راسي واضرب»، معتبراً أن هذا السلوك، وفق تقديره، يجعل أصحابه جزءاً من الأزمة التي تعيشها البلاد.
«جلسة مسرحية لا علاقة لها بوضعية الستاغ»
وفي هذا السياق، شكك السعيداني مسبقاً في قدرة الجلسة البرلمانية المخصصة للستاغ على معالجة جوهر الأزمة، واصفاً إياها بأنها قد تتحول إلى «جلسة مسرحية ما عندها حتى علاقة بوضعية الستاغ».
ويرى النائب أن النقاش قد ينزلق إلى استعراض المواقف والدفاع عن المناطق والجهات، في حين أن أزمة الشركة تتطلب، وفق المنطق الذي يطرحه، نقاشاً حقيقياً حول وضعيتها المالية والتقنية، وقدرتها على إنتاج الكهرباء وتوفيرها، والاستثمارات المطلوبة لتطوير الشبكة ومواجهة ارتفاع الطلب.
«رئيس مجلس النواب يدشّن في الزرد والمهرجانات»
وفي أكثر نقاط تصريحه حدة، عاد السعيداني إلى انتقاد رئيس مجلس نواب الشعب، مستغرباً أن يكون رئيس المؤسسة التشريعية، وفق تعبيره، حاضراً في «الزرد والمهرجانات» والتدشينات، معتبراً أن ذلك أصبح أمراً طبيعياً في المشهد السياسي.
وتكشف هذه الإشارة عن حجم الانتقاد الذي يوجهه السعيداني إلى طريقة اشتغال المؤسسة البرلمانية، إذ لا يرى المشكلة فقط في مواقف بعض النواب، وإنما في الصورة العامة التي يقدمها المجلس ودوره السياسي في البلاد.
«نواب ما يتلامش عليهم»
ورغم لهجته الحادة، حرص السعيداني على عدم تعميم المسؤولية على جميع أعضاء مجلس النواب، قائلاً إن هناك نواباً «ما يتلامش عليهم» باعتبار أنهم مواطنون ليست لهم، وفق تعبيره، علاقة سابقة بالعمل السياسي.
وأرجع المسؤولية في هذه الحالات إلى ما وصفه بـ**«الوعي العام»**، الذي قال إنه لم يرتق بعد إلى مستوى يسمح للناخبين بالتمسك بانتخاب الأفراد على أساس الكفاءة والقدرة على ممارسة العمل السياسي.
وانتقد في هذا السياق ما اعتبره توجهاً لدى بعض الناخبين إلى التصويت على كل ما يأتي من السلطة باعتباره قراراً ينبغي دعمه، قائلاً بسخرية: «قال شنوة بعثها الرئيس».
جلسة «الستاغ» أمام اختبار سياسي
وتأتي تصريحات السعيداني عشية الجلسة البرلمانية حول وضعية الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في وقت تعيش فيه البلاد تداعيات أزمة كهرباء حادة تزامنت مع موجة الحر وارتفاع الطلب على الطاقة.
لكن تصريحات النائب تجعل من جلسة الغد أكثر من مجرد جلسة لمساءلة الحكومة أو الاستماع إلى مسؤولي «الستاغ»، إذ تضعها أيضاً أمام اختبار لمصداقية الدور الرقابي لمجلس نواب الشعب.
فالسؤال الذي يطرحه السعيداني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هو ما إذا كان النواب سيقدمون خلال الجلسة نقاشاً فعلياً حول مستقبل الشركة وأزمة الكهرباء، أم أن الجلسة ستتحول إلى مناسبة لإطلاق المواقف الجهوية ورفع سقف الخطاب السياسي، قبل أن يعود المشهد إلى ما كان عليه عند التصويت على القروض والملفات الكبرى.