يواجه قطاع الدواجن في تونس خلال صيف 2026 واحدة من أصعب الفترات التي مر بها في السنوات الأخيرة، في ظل تزامن موجات الحر القياسية مع الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وهو ما انعكس مباشرة على مردودية المربين وحجم الإنتاج الوطني، وأثار مخاوف بشأن مستقبل القطاع وقدرته على المحافظة على استقرار السوق.
ورغم إعلان رئيس الغرفة الوطنية لتجار الدواجن واللحوم البيضاء، إبراهيم النفزاوي، أن السوق تشهد استقرارا على مستوى التزويد والأسعار، فإن المعطيات التي قدمها تكشف عن ضغوط حقيقية تواجه المنظومة الإنتاجية، بعد تسجيل تراجع في الإنتاج الوطني بنحو 50 بالمائة نتيجة نفوق أعداد من الدواجن بسبب اضطراب التزود بالكهرباء، وهي عنصر أساسي لضمان تشغيل أنظمة التهوية والتبريد داخل الضيعات.
وتعد تربية الدواجن من أكثر الأنشطة الفلاحية حساسية لدرجات الحرارة المرتفعة، إذ يؤدي أي انقطاع للكهرباء، ولو لفترة قصيرة، إلى ارتفاع سريع في درجات الحرارة داخل المداجن، وهو ما يرفع نسب النفوق، خاصة في مزارع التسمين المكثف، ويؤثر في الوزن النهائي للدواجن وجودة الإنتاج.
ورغم هذه الظروف، يؤكد المتدخلون في القطاع أن الأسواق لم تشهد اضطرابات كبيرة في التزويد، بعد برمجة توفير نحو 16 ألف طن من اللحوم البيضاء خلال شهري جويلية وأوت، إلى جانب خطة للرفع التدريجي في الإنتاج إلى غاية نهاية سنة 2026، وهو ما ساهم في الإبقاء على الأسعار في حدود 8.5 دنانير للكيلوغرام.
لكن استقرار الأسعار لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع المربين، إذ يشير عدد منهم إلى أن سعر بيع الكيلوغرام من الدجاج الحي، والمقدر حاليا بنحو أربعة دنانير، لا يغطي كلفة الإنتاج، معتبرين أن السعر الذي يضمن الحد الأدنى من التوازن المالي يجب أن يتراوح بين 4.5 و5 دنانير للكيلوغرام. ويضاف إلى ذلك ما تكبدوه من خسائر نتيجة تعطل أو احتراق تجهيزات ومحركات تتراوح قيمة الواحدة منها بين أربعة وخمسة آلاف دينار بسبب الانقطاعات الكهربائية.
ولا تقتصر تحديات القطاع على الجانب الإنتاجي فقط، بل تمتد إلى الجوانب التنظيمية. فالغرفة الوطنية لتجار الدواجن واللحوم البيضاء تستعد لطرح عدة ملفات خلال جلسة مرتقبة بوزارة التجارة وتنمية الصادرات، تشمل مكافحة الاحتكار، وتنظيم سوق البيض، ومراجعة هوامش الربح بين مختلف المتدخلين، إضافة إلى وضع قاعدة بيانات رسمية لتجار التفصيل وأماكن الذبح القانونية.
كما يبقى ملف الذبح العشوائي من أبرز الإشكاليات المطروحة، إذ يرى المهنيون أن عودة هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة أضرت بالمؤسسات المنظمة وأثرت في المنافسة وفي شروط السلامة الصحية، رغم حملات المراقبة التي تنفذها السلطات المختصة.
ويرى متابعون للقطاع أن تجاوز الأزمة الحالية لا يقتصر على معالجة تداعيات موجة الحر، بل يتطلب تعزيز قدرة الضيعات على مواجهة الانقطاعات الكهربائية عبر حلول بديلة للطاقة، إلى جانب مراجعة منظومة الإنتاج والتوزيع بما يضمن استدامة النشاط ويحافظ على توازن مصالح المنتجين والمزودين والتجار والمستهلكين في آن واحد.
وبين الضغوط المناخية، واضطرابات الطاقة، والصعوبات الاقتصادية، يجد قطاع الدواجن نفسه أمام تحديات متشابكة ستحدد نتائجها مدى قدرته على تأمين حاجيات السوق خلال الأشهر المقبلة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول هيكلية تقلل من هشاشة أحد أهم القطاعات المساهمة في الأمن الغذائي بالبلاد.
