الرئيسيةآخر الأخبارأزمة الهجرة في أوروبا تعيد إشعال الجدل: من إنقاذ المهاجرين إلى اتهامهم...

أزمة الهجرة في أوروبا تعيد إشعال الجدل: من إنقاذ المهاجرين إلى اتهامهم بـ«الغزو»

عاد الجدل حول سياسة الهجرة في أوروبا إلى الواجهة بقوة، بعد نشر مقال رأي في موقع «دي تسايت» الألماني، ضمن منصة «ألمانيا تتكلم» تناول التحولات التي عرفها الخطاب الأوروبي بشأن الهجرة، وانتقل من التركيز على إنقاذ المهاجرين في البحر إلى الحديث عن حماية الحدود ووقف ما تصفه بعض التيارات السياسية بـ«الغزو».

المقال، الذي يحمل موقفاً نقدياً تجاه هذا الخطاب، يستحضر تجربة عمليات الإنقاذ في البحر المتوسط، ولا سيما خلال عامي 2015 و2016، عندما كانت سفن إنقاذ تابعة لمنظمات غير حكومية، من بينها سفن الإنقاذ «سي ووتش» و«أوبن آرمز» و«يوفنتا».، تنشط في البحر المتوسط.

وتقول ماريام لاو صاحبة المقال إنها لم تلاحظ، خلال تلك الفترة، تعاوناً مباشراً بين سفن الإنقاذ ومهربي البشر، لكنه يرى أن ظهور سفن الإنقاذ الكبيرة في البحر كان يمكن رصده بسهولة عبر تطبيقات تحديد مواقع السفن، ما جعل وجودها معروفاً للقوارب التي تنطلق من السواحل الليبية والتونسية.

ومع ذلك، يشدد المقال على أن إنقاذ الأشخاص المعرضين للغرق لا ينبغي أن يتوقف، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: كيف يمكن منع الناس بصورة دائمة من خوض رحلة بحرية خطرة نحو أوروبا؟

من إنقاذ الأرواح إلى إدارة الهجرة

ويرى المقال أن الخلاف لم يكن جديداً حتى بين العاملين في عمليات الإنقاذ نفسها، إذ كان البعض يعتبر أن محاولة منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا تتعارض مع الهدف الإنساني لعمليات الإنقاذ، بينما كان آخرون يرون أن الأولوية هي إنقاذ الأرواح، حتى إذا ظل أصل المشكلة قائماً.

وتستشهد الكاتبة بالاتفاق الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع تركيا عام 2016، معتبراً أنه أدى إلى انخفاض كبير في عدد عمليات العبور والوفيات في بحر إيجه، ويتساءل عن سبب عدم اعتماد اتفاقات مماثلة بصورة أوسع.

كما تشير إلى النموذج الكندي في اختيار المهاجرين الذين يحصلون على تأشيرات للعمل أو الحماية، معتبراً أن الجمع بين الصرامة في إدارة الحدود والتعاطف الإنساني ليس أمراً مستحيلاً.

من الترحيب باللاجئين إلى تشدد أكبر في ألمانيا

ويتناول المقال كذلك التحول الذي طرأ على النقاش الألماني حول الهجرة، مستحضراً موقف صحيفة Bild عام 2015، عندما كانت تدعو إلى استقبال اللاجئين، قبل أن تتغير أجواء النقاش السياسي والإعلامي عقب اعتداءات جنسية واسعة النطاق شهدتها مدينة كولونيا ليلة رأس السنة 2015-2016، ونسبت السلطات آنذاك غالبية المشتبه بهم إلى مهاجرين من دول شمال إفريقيا.

وتحذر الكاتبة من الخلط بين قضايا الهجرة والجريمة والإرهاب، مشيراً إلى أن موجتي اللجوء الكبيرتين في 2015 و2022، والمتعلقتين أساساً باللاجئين السوريين والأوكرانيين، ارتبطتا بحروب وأزمات استثنائية، ولا يمكن اختزالهما في مسار واحد للهجرة.

كما يرفض المقال، بحسب طرحه، تحميل المهاجرين عموماً مسؤولية الهجمات الإرهابية التي نفذها أفراد محددون، مستشهداً بهجمات شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية.

أزمة سبتة تعيد صياغة الخطاب الأوروبي

لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل في المقال يرتبط بأزمة الهجرة الأخيرة في مدينة سبتة الإسبانية، حيث شهدت المنطقة في نهاية يوليو الماضي تدفقاً غير مسبوق للمهاجرين القادمين من المغرب.

وبحسب السلطات الإسبانية، دخل نحو 72 ألف شخص إلى سبتة خلال فترة قصيرة، قبل أن يعود نحو 70 ألفاً منهم إلى المغرب. وتشير مصادر أخرى إلى أن العدد الإجمالي قد ارتفع لاحقاً إلى نحو 80 ألفاً، فيما بقي آلاف الأشخاص في المدينة.

وتسببت عملية العبور الجماعي في وفاة عشرات الأشخاص، فيما أفادت تقارير حديثة بأن الحصيلة بلغت نحو 90 قتيلاً على الأقل.

وترى الكاتبة أن أزمة سبتة أصبحت مثالاً واضحاً على دخول الجغرافيا السياسية في صلب سياسة الهجرة الأوروبية، خصوصاً مع الحديث عن احتمال توظيف الهجرة للضغط على الدول الأوروبية.

«الغزو».. كلمة تشعل النقاش

وينتقد المقال بشدة استخدام مصطلح «الغزو» لوصف تدفقات المهاجرين إلى أوروبا.

وتعتبر الكاتبة أن هذا المصطلح، الذي كان لسنوات جزءاً من خطاب اليمين الأوروبي المتشدد، بدأ يتسلل إلى النقاش السياسي والإعلامي الأوسع، محذراً من أن تحويل الهجرة إلى «غزو» قد يؤدي إلى نقل النقاش من المجال السياسي والقانوني إلى المجال العسكري.

وتشير في هذا السياق إلى تصريحات أدلى بها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، شبّه فيها وصول مهاجرين إلى السواحل الأوروبية بعمليات الإنزال العسكري خلال الحرب العالمية الثانية، محذراً مما وصفه بتدفق «أيديولوجيات خطيرة» على أوروبا.

وترى صاحبة المقال أن هذه اللغة تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تجعل المهاجرين يظهرون كـ«قوة غازية» وليس كأفراد أو عائلات أو أشخاص تدفعهم ظروف اقتصادية وسياسية وأمنية مختلفة إلى البحث عن حياة أفضل.

إسبانيا اختارت الإعادة بدل استخدام القوة

وفي المقابل، يلفت المقال إلى أن إسبانيا تمكنت، في أزمة سبتة، من إعادة غالبية الوافدين إلى المغرب دون اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة.

فقد أعلنت مدريد أن نحو 70 ألف شخص من أصل 72 ألفاً عادوا إلى المغرب، فيما بدأت السلطات معالجة أوضاع من بقوا في سبتة وفق الإجراءات القانونية.

وتظهر المعطيات الأحدث أن آلاف الأشخاص ما زالوا في المدينة، بينهم قاصرون وطالبو لجوء محتملون، وهو ما دفع الحكومة الإسبانية إلى اتخاذ إجراءات جديدة للتعامل مع هذه الفئة.

ترامب والهجرة: عندما تنتقل الحدود إلى الداخل

وتستخدم الكاتبة أيضاً السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب مثالاً على مخاطر تحويل مراقبة الحدود إلى مواجهة أمنية مفتوحة.

فحتى إذا نجحت سياسة متشددة في خفض الهجرة غير النظامية، يقول المقال، فإن استخدام القوة على الحدود يمكن أن يؤدي إلى تطبيع العنف وانتقاله إلى الداخل.

ومن هنا تطرح الكاتبة السؤال الذي يشكل خلاصة مقاله: كيف تريد أوروبا أن تتعامل مع الهجرة، وأي نوع من المجتمعات تريد أن تكون؟

فالمعضلة، وفق هذا الطرح، لا تكمن فقط في الاختيار بين فتح الحدود وإغلاقها، وإنما في إيجاد سياسة تجمع بين حماية الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وفتح مسارات قانونية للهجرة، واحترام قواعد اللجوء، وإنقاذ الأشخاص الذين يواجهون خطر الموت.

وتأتي هذه المناقشة في وقت تشهد فيه أوروبا بالفعل تراجعاً كبيراً في أعداد طلبات اللجوء؛ إذ انخفض عدد طالبي اللجوء لأول مرة في أوروبا بنسبة 47% خلال 2025، بينما تراجع عدد طلبات اللجوء في ألمانيا بنحو 66% بين 2023 و2025، وفق المعطيات التي يستند إليها المقال.

وبذلك، ترى صاحبة المقال أن استمرار تصاعد الخطاب السياسي حول «الغزو» لا يرتبط بالضرورة بحجم الهجرة وحده، بل أيضاً بالطريقة التي يتم بها تفسير الظاهرة واستخدامها في الصراع السياسي الأوروبي.

وتكشف أزمة سبتة، في المقابل، أن ملف الهجرة لم يعد مجرد قضية إنسانية أو أمنية، بل تحول إلى ورقة جيوسياسية تتداخل فيها علاقات أوروبا مع دول الجوار، ومخاوف الأمن الداخلي، وصعود اليمين المتشدد، ومستقبل النموذج الأوروبي في إدارة حدوده الخارجية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى