سجّل القطاع المصرفي التونسي خلال سنة 2025 تحسناً في عدد من مؤشراته المالية، مع ارتفاع الأرباح والودائع والناتج البنكي الصافي، إلى جانب تحسن نسب الملاءة المالية. وهي مؤشرات تعكس، وفق المعطيات الواردة في التقرير السنوي حول الرقابة المصرفية لسنة 2025 الصادر عن البنك المركزي التونسي، تطور الوضعية المالية للبنوك المقيمة، لكنها تفتح أيضاً باب التساؤل حول مدى انعكاس هذه النتائج على تمويل الاقتصاد وتيسير حصول المؤسسات والأفراد على القروض.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، ارتفع صافي أرباح البنوك المقيمة إلى 1.655 مليار دينار سنة 2025، مقابل 1.576 مليار دينار سنة 2024، أي بزيادة قدرها 79 مليون دينار، ما يعادل نحو 5 بالمائة.
كما تطور الناتج البنكي الصافي، وهو أحد أبرز المؤشرات التي تقيس الموارد المتأتية من النشاط المصرفي قبل طرح مختلف الأعباء التشغيلية والمخصصات والضرائب بحسب طريقة احتسابه، إلى 8.399 مليار دينار، مقابل 8.022 مليار دينار خلال السنة السابقة، بزيادة تناهز 4.7 بالمائة.
وعلى مستوى الموارد، ارتفع إجمالي الودائع لدى البنوك المقيمة إلى 123.049 مليار دينار، مقابل 114.584 مليار دينار سنة 2024، أي بزيادة تبلغ 8.465 مليار دينار، أو نحو 7.4 بالمائة.
أما إجمالي الأصول، فقد بلغ 186.017 مليار دينار، مقارنة بـ174.339 مليار دينار في السنة السابقة، بارتفاع قدره 11.678 مليار دينار، أي حوالي 6.7 بالمائة.
وتعززت كذلك مؤشرات الملاءة المالية، إذ ارتفعت نسبة الملاءة إلى 15 بالمائة، مقابل 14.4 بالمائة سنة 2024، في حين صعدت نسبة الأموال الذاتية الأساسية إلى 12.1 بالمائة، مقابل 11.7 بالمائة. وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تقيس قدرة البنوك على امتصاص الخسائر ومواجهة المخاطر التي قد تنشأ عن تعثر المقترضين أو تدهور الظروف الاقتصادية.
أرباح متزايدة.. لكن ما الذي تقوله الأرقام فعلاً؟
لا تكمن أهمية هذه النتائج في ارتفاع الأرباح وحده، بل في طبيعة العلاقة بين نمو النشاط المصرفي والاقتصاد الحقيقي. فالبنك ليس مجرد مؤسسة تسعى إلى تحقيق الأرباح، وإنما يمثل أيضاً حلقة أساسية في تمويل الاستثمار والإنتاج والاستهلاك، وتوفير السيولة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، ومرافقة المشاريع القادرة على خلق الثروة وموطن الشغل.
ومن هذا المنطلق، فإن ارتفاع الأرباح لا يكفي وحده للحكم على تحسن أداء القطاع المصرفي من منظور الاقتصاد الوطني. إذ يتطلب التقييم الأوسع معرفة حجم القروض المسندة إلى المؤسسات المنتجة، وتطور تمويل الاستثمار، وشروط منح القروض، وكلفة التمويل بالنسبة إلى المؤسسات والأفراد، فضلاً عن تطور القروض المتعثرة والمخصصات التي ترصدها البنوك لمواجهة مخاطر عدم السداد.
كما أن ارتفاع الودائع لا يعني بالضرورة أن هذه الموارد تحولت بالقدر نفسه إلى قروض جديدة للاستثمار والإنتاج. فالأمر يتوقف على هيكل توظيفات البنوك، ومستوى المخاطر، والطلب على التمويل، والضمانات المطلوبة، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والمالية التي تتحرك ضمنها المؤسسات المصرفية.
والأهم من كل هذا أن تقييم النتائج يقتضي التمييز بين تحسن الوضعية المالية للبنوك من جهة، ومدى مساهمة هذا التحسن في تخفيف صعوبات التمويل التي تواجهها المؤسسات التونسية من جهة أخرى.
