بدأت الأزمة المالية التي يواجهها الاتحاد العام التونسي للشغل تلقي بظلالها مباشرة على حضوره في الجهات، بعدما قررت مصلحة الأكرية بالمركزية النقابية التخلي عن كراء عدد من مقرات الاتحادات المحلية للشغل، بسبب العجز عن سداد معاليم الكراء.
ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه عدة اتحادات محلية تراجعاً لافتاً في النشاط، إذ تظل بعض المقرات مغلقة لفترات طويلة ولا تحتضن اجتماعات أو أنشطة نقابية منتظمة، ما جعل مواصلة دفع كلفة الكراء محل مراجعة.
ويبدو أن المركزية النقابية تتجه إلى سياسة تقشف صارمة، تقوم على تقليص المصاريف غير الضرورية وترشيد النفقات، في ظل تراجع الموارد وارتفاع الالتزامات المالية. وقد شملت إجراءات التقشف ملفات أخرى، في محاولة لتخفيف الضغط على مالية المنظمة.
لكن خلف القرار المالي البحت يبرز سؤال أكثر حساسية:
هل نحن أمام مجرد إعادة ترتيب للنفقات، أم أن الأزمة المالية بدأت تفرض على الاتحاد الانكماش تدريجياً في الجهات؟
فالمقر المحلي ليس مجرد مكتب، بل يمثل عنوان وجود الاتحاد في المنطقة، وفضاء للتواصل مع العمال والنقابيين، وأداة أساسية للحفاظ على الحضور التنظيمي.
وإذا تواصل غلق المقرات، فقد تبدأ حلقة يصعب كسرها: تراجع الموارد يؤدي إلى تقليص النفقات، وتقليص النفقات يؤدي إلى إضعاف الحضور المحلي، وضعف الحضور قد يؤدي بدوره إلى تراجع النشاط والانخراطات، بما يعمّق الأزمة المالية.
ومن هنا يطرح البعض فرضية « التفكيك الناعم » للمنظمة، ليس بالضرورة باعتباره قراراً سياسياً معلناً، وإنما كنتيجة محتملة لتراكم الصعوبات المالية والتنظيمية.
ولا توجد، في المقابل، معطيات تثبت وجود خطة رسمية لتفكيك الاتحاد أو استهداف هياكله الجهوية. لذلك يبقى الحديث عن « تفكيك ناعم » مجرد سؤال سياسي وتحليلي مشروع، وليس حقيقة ثابتة.
السؤال الأهم الآن هو: كم مقراً آخر سيشمله قرار التخلي عن الكراء؟ وهل يتعلق الأمر بمقرات غير نشطة فقط، أم أن الأزمة المالية ستدفع الاتحاد إلى تقليص حضوره الجغرافي بشكل أوسع؟
فما يبدو اليوم مجرد قرار لتوفير كلفة الإيجار قد يتحول، إذا اتسع نطاقه، إلى اختبار حقيقي لقدرة المنظمة النقابية الأكبر في البلاد على المحافظة على انتشارها في الجهات.
هل هي عملية إنقاذ مالي للاتحاد… أم بداية انكماش هادئ لحضوره؟



