بدأت الحكاية في مدينة رافينا الإيطالية، يوم 2 ديسمبر 2025، عندما خضع شاب تونسي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره لفحوص طبية كان يفترض أن تحدد مدى أهليته للإقامة في مركز مخصص للمهاجرين الذين تستعد السلطات لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
الشاب، الذي اكتفى التقرير بذكر اسمه الأول سيف، لم تكن نتائج فحوصه تشير إلى وجود مشكلة صحية واضحة. فقد جاءت صورة الصدر سلبية، كما كانت نتائج تحاليل الدم طبيعية. ومع ذلك، لم تمنحه الطبيبة شهادة تثبت أهليته الطبية، معتبرة أن المعطيات المتوفرة لا تكفي لاستبعاد إصابته بأمراض معدية مزمنة.
كان لهذا القرار أثر مباشر على ملفه، إذ تعثرت إجراءات ترحيله، ليصبح واحداً من المهاجرين الذين حالت شهادات طبية مماثلة دون إعادتهم إلى بلدانهم.
لكن قصة الشاب التونسي لم تتوقف عند هذا الحد.
من إجراءات الترحيل إلى قضية مخدرات
بعد أشهر، عاد اسم سيف إلى الواجهة في مدينة رافينا، وهذه المرة في سياق تحقيق أمني يتعلق بالاتجار بالمخدرات.
ففي فبراير الماضي، وثّق تسجيل مصور نشره موقع «تي جي كوم 24» مشهداً يظهر فيه الشاب مع مجموعة من الأشخاص قرب محطة القطار، وبالقرب من عدد من المؤسسات التعليمية. ويُظهر التسجيل، وفق التقرير الإيطالي، ما يبدو أنه عملية مرتبطة بترويج المخدرات، قبل أن تتدخل الشرطة وتوقفه.
وانتهى الأمر بإيداعه السجن، في إطار تحقيق أمني شمل عدداً من المشتبه بهم في ترويج المواد المخدرة.
وبحسب التقرير، أوقفت السلطات 14 شخصاً خلال العملية، كما تحققت من 73 معاملة يُشتبه في ارتباطها بنشاط الشبكة.
وفي 3 أكتوبر الجاري، غادر سيف سجن رافينا، لكنه لم يستعد حريته بصورة نهائية. فقد نُقل إلى مركز احتجاز في مدينة باري، حيث ينتظر تنفيذ قرار ترحيله من الأراضي الإيطالية.
وهكذا، عاد ملف إعادته إلى تونس إلى الواجهة، بعد أن تعثرت إجراءاته في مرحلة سابقة بسبب الشهادة الطبية.
تحقيق يطال أطباء في مدن إيطالية عدة
قصة الشاب التونسي جزء من تحقيق أوسع فتحته السلطات الإيطالية بشأن شهادات طبية يُشتبه في أنها استُخدمت لتعطيل إجراءات ترحيل مهاجرين أجانب.
ووفق التقرير، يشتبه المحققون في وجود مجموعة منظمة تضم أطباء ومهنيين في القطاع الصحي، كانت تتولى إعداد شهادات تحول دون اعتبار بعض المهاجرين مؤهلين طبياً للإعادة إلى بلدانهم، من دون أن تستند تلك الشهادات، في بعض الحالات، إلى تقييم طبي كافٍ.
وقد امتد التحقيق إلى عدد من المدن الإيطالية، من بينها رافينا وروما وبولونيا وماتيرا وبييلا وباري، حيث خضع 23 طبيباً لعمليات تفتيش.
وأشار التقرير إلى توجيه اتهامات بالتآمر إلى أربعة أطباء، مع التأكيد أن الخضوع للتفتيش لا يعني بالضرورة أن بقية الأطباء مشتبه في ارتكابهم جرائم أو أنهم متهمون في القضية.
وتكشف الأرقام الواردة في التحقيق عن حجم الملف. فبين سبتمبر 2024 ويناير 2026، خضع 64 شخصاً للإجراءات المعنية، اعتُبر 20 منهم مؤهلين للترحيل، في حين لم يُعتبر 34 آخرون مؤهلين، بينما لم يحضر عشرة أشخاص على الأقل إلى المستشفى لإجراء الفحوص المطلوبة.
شهادات طبية تحت المجهر
تسلط هذه القضية الضوء على دور الشهادات الطبية في ملفات الهجرة والترحيل في إيطاليا، وعلى التداعيات التي قد تترتب على القرارات الطبية عندما تصبح جزءاً حاسماً من الإجراءات الإدارية والقضائية.
وبينما تسعى السلطات إلى تحديد ما إذا كانت هناك مخالفات ارتُكبت في إصدار بعض الشهادات، تبرز قصة الشاب التونسي باعتبارها إحدى الحالات التي تداخلت فيها إجراءات الترحيل مع تحقيق جنائي منفصل يتعلق بالمخدرات.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين الشبهات التي يتناولها التحقيق والوقائع التي ثبتت قضائياً، سواء في ما يتعلق بالأطباء أو بالشاب التونسي نفسه.
فالقضية لا تقتصر على مصير مهاجر تعطلت إجراءات ترحيله بسبب شهادة طبية، بل تمتد إلى تحقيق إيطالي أوسع يسعى إلى تحديد ما إذا كانت شهادات من هذا النوع قد استُخدمت بصورة غير قانونية لعرقلة إعادة مهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.
