الرئيسيةآخر الأخبارألمانيا تستنفر اقتصادها للحرب: المصانع والقطارات والمستشفيات تدخل خطة إعادة التسلح

ألمانيا تستنفر اقتصادها للحرب: المصانع والقطارات والمستشفيات تدخل خطة إعادة التسلح

تتحرك ألمانيا بوتيرة متسارعة لإعادة بناء قوتها العسكرية، في تحول يتجاوز رفع ميزانية الدفاع وشراء الأسلحة، ليشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد والصناعة والبنية التحتية، في وقت تسعى فيه برلين إلى بناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا” وتعزيز موقعها كمحور عسكري رئيسي داخل حلف شمال الأطلسي.

وتسارعت هذه السياسة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، لتصل إلى مصانع السيارات والقطارات وشبكات السكك الحديدية والشركات اللوجستية وحتى المستشفيات، بالتزامن مع عودة النقاش حول الخدمة العسكرية ومستقبل الشباب.

وبحسب ملف نشرته لوموند ديبلوماتيك الفرنسية في سبتمبر 2026، فإن التحول الألماني يأتي في لحظة دقيقة يواجه فيها النموذج الصناعي التقليدي للبلاد ضغوطا متزايدة، خصوصا في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الثقيلة.

من القوة الاقتصادية إلى القوة العسكرية

منذ وصوله إلى المستشارية، جعل فريدريش ميرتس إعادة التسلح إحدى أولويات حكومته، معلنا في خطابه أمام البرلمان الاتحادي في 14 ماي 2025 أن الهدف هو بناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”.

أما وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، فيكرر ضرورة جعل الجيش الألماني “جاهزا للحرب”، في تحول لافت بالنسبة إلى بلد ظل لعقود يتعامل بحذر شديد مع المسألة العسكرية بسبب إرث الحرب العالمية الثانية.

وبحسب المعطيات الواردة في الملف، بلغت الالتزامات الدفاعية الألمانية خلال 2025 نحو 114 مليار يورو، لتصبح ألمانيا واحدة من أكبر المنفقين عسكريا في العالم.

لكن الرهان لا يتعلق فقط بتحديث الجيش، بل بإعادة وضع ألمانيا في قلب التوازن العسكري الأوروبي، بعدما ارتبط نفوذها لعقود بالقوة الاقتصادية والتجارية أكثر من القوة العسكرية.

التسليح يأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد

المفارقة أن إعادة التسلح تتزامن مع أزمة تواجه قطاعات أساسية من الاقتصاد الألماني، بفعل المنافسة الصينية وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب الخارجي.

وتشير المعطيات إلى استمرار ضعف النمو منذ الربع الأول من 2022، فيما تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين بأكثر من 14 بالمائة خلال النصف الأول من 2025، بينما بلغت نسبة التراجع في صادرات السيارات 36 بالمائة، مقابل نحو 11 بالمائة في قطاع الآلات.

وبينما يتراجع الطلب على بعض المنتجات المدنية، فتحت الطلبيات العسكرية الحكومية سوقا ضخمة أمام الشركات الألمانية.

كما خصصت برلين مئات المليارات للاستثمار في البنية التحتية، بالتوازي مع تخفيف القيود المالية المفروضة على الإنفاق الدفاعي، في تحول يعكس تغيرا عميقا في السياسة الاقتصادية الألمانية.

مصانع السيارات والقطارات تتجه نحو السلاح

بدأت شركات مدنية البحث عن فرص في سوق الدفاع المتنامية.

ودخلت مرسيدس بنز في شراكة مع شركة ناشئة في ميونيخ لتطوير طائرات مسيرة اعتراضية، بينما تتجه شركات أخرى إلى استغلال خبراتها في الهندسة والسيارات لصناعة تجهيزات ومكونات عسكرية.

ويبرز مصنع مدينة غورليتس في ساكسونيا كأحد أبرز الأمثلة. فالمصنع الذي أمضى 176 عاما في صناعة عربات القطارات أصبح ينتج أجزاء تستخدم في دبابات “ليوبارد 2” ومركبات المشاة المدرعة “بوما”.

وكان المصنع يشغل نحو 700 عامل، فيما احتفظ التحول الجديد بنحو 300 إلى 400 وظيفة.

وهنا يظهر أحد أكثر التناقضات حساسية في ألمانيا: هل يفضل العمال خسارة وظائفهم أم العمل في صناعة السلاح؟

النقابات بين السلام والوظائف

وجدت النقابات الألمانية نفسها أمام معادلة معقدة. فنقابة آي جي ميتال، أكبر نقابة صناعية في البلاد، ارتبط تاريخها تقليديا بالدفاع عن السلام ونزع السلاح.

لكن بعض فروعها باتت ترى أن ألمانيا تحتاج إلى جيش أقوى وأكثر تجهيزا، في حين ترفض مجموعات عمالية أخرى تحويل المصانع المدنية إلى مصانع للسلاح.

وفي مصانع فولكسفاغن وفورد ظهرت أصوات تنتقد ما تصفه بـ“اقتصاد الحرب”، بينما يرى عمال آخرون أن الصناعات الدفاعية توفر فرصا لإنقاذ مصانع مهددة بالإغلاق.

راينميتال.. المستفيد الأكبر

في قلب هذا التحول تبرز مجموعة راينميتال، أكبر منتج ألماني للأسلحة، والتي تشارك في تصنيع دبابات “ليوبارد 2” ومدرعات “بوكسر”، وتوسعت كذلك في الطائرات المسيرة والذخائر والفضاء والاتصالات العسكرية.

وتشير المعطيات إلى ارتفاع رقم معاملات الشركة من نحو 4.7 مليارات دولار عام 2014 إلى 9.93 مليارات دولار في 2025.

ويطمح رئيسها أرمين بابيرغر إلى الوصول إلى 50 مليار دولار بحلول 2030، فيما قد يرتفع دفتر الطلبيات من نحو 63 مليار يورو حاليا إلى قرابة 300 مليار يورو خلال السنوات المقبلة.

هذا التوسع يرافقه نقاش برلماني متزايد حول الرقابة على صفقات التسليح، مع ارتفاع عدد مشاريع الدفاع الكبرى المعروضة على الجهات المختصة من 55 مشروعا في 2023 إلى 97 في 2024 ثم 103 مشاريع في 2025.

ألمانيا تستعد لحرب واسعة في أوروبا

التحول لا يتوقف عند المصانع. فخطة العمليات الألمانية المعروفة باسم “أوبلان دويتشلاند” تتعامل مع ألمانيا باعتبارها مركزا لوجستيا أساسيا لتحرك قوات حلف شمال الأطلسي في حال اندلاع مواجهة واسعة في شرق أوروبا.

وهذا يعني أن الطرق والسكك الحديدية وشركات النقل والطيران والخدمات اللوجستية ستصبح جزءا من منظومة الاستعداد العسكري.

وتدخل شركات مثل دويتشه بان ودي إتش إل ولوفتهانزا بدرجات مختلفة في هذه الحسابات، بينما يجري التخطيط لاستخدام السكك الحديدية في نقل القوات والمعدات الثقيلة.

حتى المستشفيات أصبحت جزءا من سيناريوهات الطوارئ، مع الاستعداد لاحتمال استقبال أعداد كبيرة من الجرحى العسكريين في حال اندلاع حرب واسعة.

الخدمة العسكرية تعود إلى الواجهة

وتحتاج ألمانيا إلى عشرات الآلاف من الجنود الجدد لتعزيز جيشها، ما أعاد الخدمة العسكرية إلى صدارة النقاش السياسي والاجتماعي.

ومنذ يناير 2026 دخل الشباب في سن الثامنة عشرة ضمن نظام جديد لجمع المعلومات المتعلقة بالخدمة العسكرية، مع خطوات إضافية منتظرة ابتداء من 2027، وإمكانية توسيع نطاق الإلزام إذا لم تكن أعداد المتطوعين كافية.

وهكذا لم تعد إعادة التسلح قضية عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالتعليم وسوق العمل والشباب والخدمات العامة.

برلين تريد قيادة الجناح العسكري الأوروبي

الهدف النهائي يتجاوز إعادة بناء الجيش الألماني. برلين تريد ترسيخ موقعها باعتبارها إحدى القوى العسكرية الرئيسية في أوروبا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحالفها مع الولايات المتحدة.

ويأتي ذلك في ظل نقاش أوروبي متزايد حول احتمال تركيز واشنطن مستقبلا على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يدفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة.

وهنا تبرز ألمانيا في مواجهة اختبار تاريخي جديد: هل تتحول القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا إلى القوة العسكرية المحورية فيها؟

لكن هذا التحول قد يفتح أيضا منافسة مع فرنسا، التي حافظت لعقود على موقع عسكري ودبلوماسي أكثر ثقلا، كما أن تعثر بعض المشاريع الدفاعية الفرنسية الألمانية يكشف صعوبة التوفيق بين الطموح الألماني ومشروع الدفاع الأوروبي المشترك.

ألمانيا تعيد تعريف نفسها

ما يحدث في ألمانيا يتجاوز شراء الدبابات والطائرات والذخائر. إنه إعادة صياغة تدريجية للعلاقة بين الاقتصاد والدفاع والمجتمع.

فالإنفاق العسكري يمنح المصانع طلبيات جديدة ويوفر وظائف، لكنه في المقابل لا يضمن تعويض القطاعات المدنية التي شكلت لعقود أساس القوة التصديرية الألمانية.

وبذلك تدخل ألمانيا مرحلة جديدة، عنوانها إعادة التسلح، إعادة بناء الصناعة وإعادة تعريف دورها في أوروبا.

والاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون قدرة برلين على تحقيق ثلاثة أهداف في وقت واحد: إنعاش اقتصادها الصناعي، بناء قوة عسكرية أوروبية وازنة، وإقناع مجتمع ألماني ظل لعقود شديد الحذر من العودة إلى العسكرة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى