في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الفاعلين الاقتصاديين في القارة الإفريقية نحو تونس، التي تحتضن من 6 إلى 9 أكتوبر الجاري لقاءً إقليمياً مخصصاً للمؤسسات الصغرى والمتوسطة وهياكل دعمها في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، تبدو أمام البلاد فرصة جديدة لتعزيز موقعها كبوابة اقتصادية بين شمال القارة وعمقها جنوباً.
اللقاء، الذي ينظمه الأمانة العامة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ضمن برنامج «دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة»، يجمع أكثر من 150 مشاركاً، ويهدف إلى مساعدة المؤسسات الإفريقية على النفاذ إلى سلاسل القيمة القارية والتعرف إلى الأدوات القانونية والتجارية والرقمية المتاحة في إطار الاتفاقية.
لكن خلف هذا الحضور الإفريقي المتزايد في تونس، يبرز سؤال اقتصادي لا يمكن تجاهله: هل تمتلك المنظومة التشريعية والمالية التونسية المرونة الكافية حتى تستفيد المؤسسات التونسية فعلياً من السوق الإفريقية الموحدة؟
فمن الصعب الحديث عن اندماج اقتصادي إفريقي واسع، وعن مؤسسات تونسية تستهدف أسواقاً جديدة في القارة، من دون معالجة ملف حركة الأموال والعملات الأجنبية والتحويلات والاستثمار خارج البلاد، وهي ملفات ظلت لسنوات مرتبطة بمنظومة قانونية يعود أصلها إلى سبعينيات القرن الماضي.
قانون يعود إلى 1976… والإصلاح لم يعد خياراً
الإطار الأساسي المنظم للصرف في تونس لا يزال يستند إلى القانون عدد 18 لسنة 1976 المتعلق بإعادة صياغة وتقنين تشريع الصرف والتجارة الخارجية. وتؤكد وزارة المالية أن هذا الإطار ما زال يمثل المرجع الأساسي لتنظيم العلاقات المالية مع الخارج.
وكان رئيس الحكومة الأسبق أحمد الحشاني قد أعلن في مارس 2024 أن مشروع مجلة الصرف أُعدّ بعد مسار تشاوري دام أكثر من سنة، وذكّر بأن التشريع الحالي الصادر سنة 1976 لم يخضع سوى لتنقيح رئيسي سنة 1993. وفي ذلك الوقت قُدّم المشروع باعتباره إصلاحاً تشريعياً واسعاً يهدف إلى تحديث العلاقات المالية مع الخارج وتدريجياً تحرير عدد من العمليات المالية.
لكن المشروع الحكومي الذي أعلن عنه آنذاك لم يتحول إلى قانون نافذ.
وهنا بدأت مرحلة جديدة.
البرلمان يدخل على الخط
في أكتوبر 2025، أودعت مجموعة من النواب مقترح قانون عدد 115 لسنة 2025 يتعلق بإصدار مجلة الصرف، قبل أن يحال الملف إلى لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب في يناير 2026.
ومنذ ذلك التاريخ دخل المشروع في مسار استماع وتشاور مع مختلف الأطراف الاقتصادية والإدارية. فقد استمعت اللجنة إلى ممثلين عن وزارة المالية في أبريل، ثم إلى الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والمنظمة الوطنية لرواد الأعمال، وكنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية، إلى جانب أطراف أخرى.
وفي 21 أبريل 2026، أكدت وزارة المالية أمام لجنة المالية أن إصلاح منظومة الصرف ما يزال في مرحلة الدراسة والتشاور، وهو ما كشف أن الملف لم يكن جاهزاً بعد للانتقال السريع إلى مرحلة المصادقة النهائية.
وفي مايو، تحدث النائب عصام شوشان عن وجود ما وصفه بحالة تعطّل في تقدم مشروع مجلة الصرف، مشيراً إلى أن اللجنة اعتمدت مساراً تشاركياً واسعاً شمل وزارة المالية والديوانة والمنظمات المهنية والخبراء.
91 فصلاً لإعادة صياغة العلاقة المالية مع الخارج
المقترح البرلماني المطروح لا يتعلق بمجرد تعديل جزئي، وإنما بإعادة بناء الإطار القانوني للصرف. ويتكون المشروع من 91 فصلاً، ويتناول عدداً من الملفات التي أصبحت اليوم مرتبطة مباشرة بقدرة الشركات التونسية على العمل في الأسواق الخارجية.
ومن بين الاتجاهات التي تضمنها المشروع: مراجعة مفهوم الإقامة، وتوسيع هامش حرية بعض المدفوعات والتحويلات المالية مع الخارج، وتنظيم عدد من العمليات المرتبطة بالأصول الرقمية، وتطوير نشاط الصرف اليدوي، وإحداث صفة جديدة للمتعامل في الصرف بما يمكن المؤسسات التونسية، وخاصة الشركات الناشئة، من إجراء عمليات مالية مرتبطة بنشاطها خارج البلاد، إضافة إلى مراجعة نظام العقوبات.
وهذه النقاط تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تستهدف السوق الإفريقية، حيث لا تكفي القدرة على بيع منتج أو خدمة في بلد آخر إذا كانت الشركة تواجه في المقابل تعقيدات في تمويل عملياتها الخارجية أو تحويل عائداتها أو تسديد التزاماتها الدولية.
أين وصل الملف الآن؟
حتى أكتوبر 2026، لم تصدر مجلة صرف جديدة تحل محل التشريع النافذ.
بل إن لجنة المالية والميزانية كانت قد أقرت في سبتمبر تنظيم يوم دراسي برلماني مخصص لمجلة الصرف، في مؤشر على أن الملف لا يزال في طور الدراسة السياسية والتشريعية، ولم يصل بعد إلى مرحلة التصويت النهائي في الجلسة العامة.
وكانت وزيرة المالية قد طرحت في يوليو إمكانية تأجيل مناقشة المشروع إلى بداية سنة 2027، بينما اعتبر رئيس لجنة المالية ماهر الكتاري أن تأجيل الملف مرة أخرى سيكون أمراً يصعب فهمه، وفق ما نقلته وسائل إعلام تونسية عن مواقف الطرفين.
وبالتالي، فإن الصورة الحالية أكثر تعقيداً من مجرد القول إن «مجلة الصرف عفا عليها الزمن»: هناك مشروع إصلاح موجود، وهناك مسار برلماني قائم، وهناك مشاورات مع الفاعلين الاقتصاديين، لكن الحسم التشريعي لم يحصل بعد.
والمفارقة أن تونس تستعد لتوسيع حضورها الإفريقي
المفارقة أن هذا النقاش يأتي في الوقت الذي تعمل فيه تونس على تحويل مشاركتها في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية من التزام رسمي إلى فرص فعلية للشركات.
ففي يونيو الماضي، وخلال زيارة الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وامكيلي ميني إلى تونس، دعا ممثلو القطاع الخاص إلى تحديث التشريع الوطني للصرف، إلى جانب تحسين البنية التحتية والتمويل وتنسيق القواعد والإجراءات، باعتبار ذلك من الشروط التي يمكن أن تساعد على جعل الاتفاقية محركاً فعلياً للنمو والتكامل الإقليمي.
كما اتفقت تونس والأمانة العامة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية على إعداد خطة عمل مشتركة تحدد أولويات التعاون وآليات متابعة تنفيذها، مع التركيز على الربط اللوجستي والبنية التحتية وسلاسل القيمة وتشجيع مشاركة الشباب والنساء في التجارة والاستثمار.
وتظهر الأرقام الرسمية حجم الفرصة وحجم التحدي في الوقت نفسه. فقد بلغت المبادلات التجارية التونسية مع إفريقيا جنوب الصحراء خلال 2025 نحو 637 مليون دولار، أي حوالي 1.25% فقط من إجمالي التجارة الخارجية التونسية، بينما بلغت الصادرات نحو 474 مليون دولار. وتقدّر أحدث البيانات الرسمية وجود إمكانات تصديرية غير مستغلة نحو تلك الأسواق في حدود 518 مليون دولار.
هل يمكن أن تنجح زليكاف بقواعد مالية قديمة؟
هنا تكمن المسألة الأساسية.
منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لا تعني فقط خفض الرسوم الجمركية أو إزالة الحواجز أمام السلع. فالمؤسسة التي تريد التوسع في إفريقيا تحتاج أيضاً إلى تمويل التجارة، وإبرام العقود، وتلقي المدفوعات، وتسديد الموردين، وتحويل الأموال، والاستثمار خارج حدودها، وإدارة مخاطر العملة.
ولهذا فإن نجاح تونس في استغلال موقعها الجغرافي وكفاءاتها البشرية وبنيتها الرقمية لا يتوقف على الموانئ والطرق والاتصالات فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة نظامها المالي والتشريعي على مواكبة الشركات التي تعمل في سوق قارية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة تحريراً شاملاً وفورياً لحركة رؤوس الأموال، خصوصاً في ظل حرص السلطات النقدية على حماية التوازنات الخارجية واحتياطي العملة الصعبة. بل إن مشروع الإصلاح نفسه يقوم على فكرة التحرير التدريجي مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية العامة.
اختبار حقيقي للطموح التونسي
اليوم، تستضيف تونس اجتماعات وبرامج مرتبطة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتعمل على تطوير لجنة وطنية لمتابعة تنفيذ الاتفاقية، كما تستعد لاحتضان مواعيد إفريقية اقتصادية أكبر خلال السنوات المقبلة. وقد شهدت البلاد في أوت 2026 ورشة متعددة الأطراف شاركت فيها وزارات وهياكل من بينها البنك المركزي والديوانة والقطاع الخاص، بهدف تحديث خطة العمل الوطنية لتنفيذ الاتفاقية وتعزيز استفادة المؤسسات التونسية من الأسواق الإفريقية.
لكن نجاح هذا التوجه سيقاس في النهاية بعدد المؤسسات التونسية التي ستتمكن من تصدير منتجاتها وخدماتها والاستثمار والشراكة داخل إفريقيا، وليس بعدد المؤتمرات واللقاءات التي تستضيفها تونس.
ومن هنا تصبح مجلة الصرف أكثر من مجرد ملف تشريعي ينتظر الحسم داخل البرلمان. إنها جزء من المعادلة التي ستحدد ما إذا كانت تونس ستنجح في الانتقال من دور البلد الذي يستضيف النقاش حول إفريقيا إلى بلد تستفيد مؤسساته فعلياً من السوق الإفريقية الموحدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت تونس قد بدأت إصلاح مجلة الصرف، فهذا حدث بالفعل، وإنما: هل يصل الإصلاح إلى نهايته في الوقت المناسب، قبل أن تسبق الشركات المنافسة التونسية إلى الأسواق التي يفترض أن تكون مفتوحة أمام الجميع؟
